اذا كانت قوى14 آذار قد ارتكبت اخطاء عدة – وهذا صحيح – فان قوى 8 اذار ارتكبت خطايا كثيرة، ومعظمها يندرج في خانة الخطايا الجسيمة التي تسببت في بعض الاحيان بانهاك مقدّرات الدولة المالية والاقتصادية والادارية وحتى السيادية، اضافة الى ان هذه الخطايا قد تركت ندوباً عميقة في الحياة السياسية التي يفترض انها تقوم على احترام الدستور والقوانين، كما تركت شرخاً واسعاً في صيغة العيش المشترك التي توافق اللبنانيون على احترامها والالتزام بها، بديلاً من تفكير اي فريق بالتقسيم او الفدرالية، او باي صيغة من الصيغ التي تلجأ اليها او تفكر بها اي طائفة ترى ان وجودها مهدد، وحرياتها منقوصة، ونمط عيشها تحت البحث. ولا بدّ لاي محلل سياسي او اجتماعي او اي باحث عاصر الفترة ما بين 1990 و2005 واستطراداً الفترة ما بين 2005 و2011، وتابع دقائقها وخلفياتها ونتائجها، الا ان تيقن بان لبنان ككيان ونظام ودولة كان في الفترة الاولى في طريقه الى الانحلال والتفكك الكاملين، الى ان حصلت جريمة العصر في لبنان باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وقيام انتفاضة الرابع عشر من آذار التي عمل رموز الفترة الاولى وما زالوا يعملون اليوم بمساعدة فريق سيادي سابق، على شطب هذه الانتفاضة من الذاكرة والتاريخ والعودة بلبنان الى تلك الفترة المظلمة من تاريخ لبنان الحديث.
الامثلة كثيرة، تصديقاً لهذا القول، وكل خطيئة تتطلب مقالاً كاملاً لاعطائها ما تستحق من توسيع، الا ان اهتمامات اللبنانيين تنصّب اليوم على متابعة فصول مسرحية الانقلاب الذي قامت به قوى 8 آذار، ونجحت في توجيه ضربة موجعة – ولكنها بالتأكيد ليست قاتلة – لقوى 14 آذار، وابعدتها عن الحكم، وتحاول بمختلف الاساليب الملتوية ابعادها عن المشاركة، وعلى الرغم من ان اللبنانيين باكثريتهم الساحقة، ما زالوا يتذكرون جيداً مواقف قيادات 8 اذار، قبل احداث ايار وبعدها، وحتى الوصول الى الدوحة، وتأليف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وبعد ذلك الى الانتخابات النيابية وفوز 14 اذار بالاكثرية وتكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة، حيث كانت الديموقراطية التوافقية والمشاركة في الحكم، مع اعطائهم الثلث المعطل، المطلب الوحيد لقيادات ورموز 8 آذار مع ترداد جملة دخلت التاريخ «جرّبونا يا جماعة 14 آذار، وستعرفون مدى صدقنا وتمسّكنا بالحكومة وبكلمتنا».
اكثر مما سبق، وحتى بعد نجاح انقلابهم، صدرت مواقف من بعض قادة 8 اذار، تدعو الى المشاركة بالثلث الضامن، وكانوا على ما ظهر لاحقا، يمارسون لعبة تهدئة الخواطر المقترنة باقتناع قاطع ان قوى 14 آذار ستقاطع الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، وبالتالي يكون هؤلاء قد ابدوا حسن النيّة تجاه فريق لم يتجاوب معها بالمثل، ولكن عندما قرر قياديو 14 اذار فتح حوار مع ميقاتي لجس نبض حسن النيّة عنده وعند 8 اذار، خافت قيادات الاكثرية الجديدة المركبّة، على مغانم الانقلاب ان تفلت من ايديهم، فسارعوا عن طريق النائب ميشال عون الناطق الرسمي باسم الانقلاب الى اقفال باب المشاركة، متسلّحين بتبرير «خنفشاري» لا قيمة له ولا وزن ولا معنى سوى التأكيد على سوء النيّة حيال الفريق الآخر.
***
المؤسف في الموضوع، هو ردّة الفعل المستهجنة عند بعض قيادات 14 آذار، حيال هذا الموقف الطبيعي لقوى 8 آذار، وكأن هذه القيادات اكتشفت البارود، او انها ألقت القبض على قوى 8 آذار بالجرم المشهود وهي تتراجع عن مواقفها، فهذا التراجع في المواقف اصبح من تراث 8 آذار، وخصوصا بالنسبة الى رئىس تكتل التغيير والاصلاح العماد عون الذي ينافس النائب وليد جنبلاط في الكرّ والفرّ، وفي نقل البارودة من كتف الى آخر، اضافة الى ذلك، وقياسا على معرفة نبض جمهور 14 آذار، فإن هذا الجمهور، ورغم ايمانه بحسن نيّات قياداته، وبرغبتهم الصادقة في مدّ اليد الى الرئيس نجيب ميقاتي، واحترامهم وتقديرهم لمواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي يصرّ على التفاهم والتعاون والتوافق بين مختلف الافرقاء لانتشال الوطن من عثرته، الاّ انه لا يريد ولا يحتمل ان يلدغ مرة ومرتين وثلاث مرات من الجحر ذاته، واذا كانت قوى 8 آذار كما تدّعي، قادرة على انقاذ لبنان، وعلى سحبه من البئر التي اوقعته بها، وقادرة على تأمين الحريات العامة، وتحفظ استقلال لبنان، وتتمسك بسيادته، وتتنازل للدولة عن الحق الحصري بالقرار والسلاح، وتلتزم بالمواثيق والاتفاقات، وترسّم الحدود وتسترد الاسرى والمعتقلين، فمن الجريمة عرقلة هذه القوى.
ولتذهب الاقلية الجديدة الى معارضة قوية شجاعة، ساهرة على حقوق الناس وقضاياهم، وتترك الى الاستحقاقات الدستورية فرصة محاسبة من تولّوا الاحكام، ولا تستنسخ التصرفات الخاطئة، والمواقف المؤذية التي سبق للأكثرية الجديدة وجرّبتها على مدى سنوات، في مجلس النواب، وفي الحكومة، وفي الشارع.