بعد نشوة الإنتصار الزائف، استفاق أهل الإنقلاب الأسود على حقائق ووقائع تفوق قدرتهم على التعامل معها، فهم عاجزون عن تشكيل حكومة من لون واحد. كما أنهم عاجزون عن تعطيل المحكمة الدولية التي باتت على قاب قوسين من إعلان قرارها الإتهامي. أما الأهم، فأنهم باتوا عاجزين عن استخدام ورقة الشارع والعنف في مواجهة حكومة اختاروا رئيسها بأنفسهم.
من جهة أخرى، لا تبدو الخيارات متعددة أمام الرئيس المكلف، وليس صحيحاً أنه من يقرر الأسماء والحقائب التي سوف تتشكل منها الحكومة المقبلة. فالرئيس ميقاتي لا يملك أكثرية نيابية يستطيع الإعتماد عليها لمنح حكومته المنشودة الثقة، وهو بحاجة إلى اشتراك قوى "14 آذار"، لتوسيع هامش المناورة واستيعاب حالة الشره لدى الإنقلابيين.
فحكومة اللون الأسود التي تسعى قوى "8 آذار" إلى تشكيلها، عبر إقصاء كل من قوى "14 آذار" والرئيس سليمان تواجهها عدة معوقات، أولها رفض الرئيس ميقاتي الذوبان الكلي في مشروع إلغاء الرئيس الحريري، خوفاً من تداعيات هذا المشروع داخل الشارع السني وعلى صعيد الدعم والإحتضان الدولي لحكومته. وثانيها، قدرة رئيس الجمهورية على رفض التوقيع على مراسيم تشكيل حكومة ستجعله لاعباً ثانوياً على الساحة السياسية. وثالثها، الفراغ الذي ستعاني منه الحكومة على صعيد التمثيل الفعلي لبعض المذاهب.
اذاً، لم يتبق أمام الرئيس المكلّف سوى خيار تشكيل حكومة شراكة فعلية، ذلك أن حكومة تكنوقراط لن تتمكن من مواجهة الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد والمرشّحة للتفاقم بعد صدور القرار الإتهامي. وحكومة الشراكة تعني فعلياً سقوط الإنقلاب، وعجز الإنقلابيين عن صياغة مشروع حكم، والحالة هذه تفترض مطالبة قوى "14 آذار" بإعطائها الثلث الضامن كي تتمكن من المشاركة الفعلية في القرار. ومع استبعاد قدرة الرئيس ميقاتي على منحهم هذا الثلث، لا يبقى أمامه سوى محاولة أخيرة لاجتراح صيغة توافقية من أربعة حصص، ثلاث منها تشكل الثلثين، ما يعني أن القرارات الكبرى بحاجة إلى توافق أحد طرفي الصراع مع كل من فخامة الرئيس ورئيس الحكومة. وقد تكون هذه الصيغة الحل الأخير أمام الرئيس المكلف قبل إعلان عجزه وسقوط مشروع الميقاتية السياسية.
وفقاً لما تقدم، تبدو آمال الرئيس بري بإنجاز التشكيلة الحكومية في خلال أسبوع صعبة المنال، وقد تمر أشهر قبل التوصل إلى اتفاق على صيغة حكومية مقبولة من معظم الأطراف، إلا أن تسارع الأحداث من حولنا يحتم على "حزب الله" من دون سواه مراجعة حساباته، والعمل على تمتين الساحة الداخلية، ولا يتم ذلك من خلال إسقاط المحكمة الدولية، لا بل بالعكس من خلال العمل على إقناع أولياء الدم ببراءته. كما لا يتم ذلك من خلال الإلغاء السياسي لسعد الحريري لا بل بالعكس من خلال التعاون معه على إرساء أسس الدولة القوية، القادرة والعادلة.
فالسعادة الكبرى التي تغمر "الحزب" لتزعزع النظام المصري قد لا تدوم طويلاً، خصوصاً إذا ما انتقلت عدوى التحرر إلى الشعبين السوري والإيراني، ما سوف يضع "الحزب" حينها أمام عزلة دولية وداخلية غير مسبوقة، تجعله يخسر كل ما عمل على بنائه على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة. من هنا، لا بد لـ"حزب الله" من إعادة وصل ما انقطع مع باقي الأطراف اللبنانية، والتفكير جدياً بالتحرر من قيود التبعية للمشروع الإيراني، والإتجاه نحو لبننة الحزب وانخراطه كلياً في عملية بناء الدولة وتسليم سلاحه للشرعية اللبنانية.
أمام عجز الإنقلابيين وترنّح التجربة الميقاتية، تبدو قوى "14 آذار" الأكثر ارتياحاً إلى مسار الأمور، فالمعارضة تعيدها إلى الشارع حيث تبقى هي الأقوى، وسوف تتجسد هذه القوة الشعبية في الرابع عشر من آذار المقبل، كما تستطيع هذه القوى من خلال امتدادها الدولي وأحقية قضيتها، أن تشكل تهديداً كبيراً للمشروع الإيراني – السوري في لبنان سواء كانت داخل الحكومة أم خارجها. بينما تقع قوى "8 آذار" بين مطرقة العدالة الدولية وسندان الديمقراطية الهادر في العالم العربي، وقد يكون الصمت المشبوه لـ"حزب الله" عن تصريحات ميقاتي بشأن المحكمة خير دليل على حال الضياع التي تعيشها هذه القوى.
لقد تمكن "حزب الله" من سرقة الأكثرية النيابية، كما تمكن من سرقة رئاسة الحكومة، إلا أن إرادة الناس عصيّة على السرقة، ما يجعل من صمود اللبنانيين أمام إرهاب السلاح، أشرف ثورة وأرقى مواجهة مع التسلط والإستبداد والشمولية، وتبقى ساحة الشهداء ميدان التحرير الأول.