إستفقت ذات يوم من نومي على أصوات تخرق جدار صمتٍ تربينا عليه، جدارٌ بني على أساسات من الخوف الذي زرع في قلوبنا فاعتدنا عليه حاسبين أنه جزءٌ لا يتجزّأ من طبيعتنا البشريّة…
اهتزّ كياني وارتعش قلبي، وإذ بالأفكار تعصف في ذهني في زمن منعنا فيه حتّى من التفكير:
هل نسيت أن أقفل باب الحلم و حملته معي إلى وعيي المخدّر؟
هذا الحلم الذي رافقني منذ بداية نضوجي، حلمٌ ظاهره ثورة وباطنه حقّ كرّسه لي خالق الأحلام، حلمٌ أفرح بوجوده لعلمي أنني لن أستلذّ بطعمه في عالم الحركة….
فجأة هرعت لأقف أمام شاشة تنقل ظاهر الأحداث، وتحتفظ بعمقها خوفا من الظالم المحتل. فوجدته، نعم وجدت حلمي أمامي في صورة تنحني لها البشريّة إجلالاً، صورة الثورة التي شكّلت باطنه، صورة حقيقة لطلما اعتبرناها كذبةً….
شباب و شابات و أبناء المجتمع الذي بنى الجدار، يتحدّون القمع و الطغيان، يصرخون و لا يملّوا، يحملون في أياديهم الطاهرة علماً افتقدناه أن يكون علم بلادي و لطالما استبدلنا أرزتنا بنجمة مسروقة من علمٍ آخر، فقد غاب عنّا أن النجوم تختفي في العواصف و خلف الغيوم، أمّا الأرز فيتحدّى الطبيعة فيثبت ويشمخ لسنين وسنين….
رفعت رأسي الذي جهدوا وعملوا المستحيل ليجعلوه منحنياً راضخاً لهم منذ عقود، وهتفت بأعلى صوتي: "هوذا اليوم الذي صنعه الربّ"، وما هي إلاّ لحظات حتّى سمعت من عمق أعماق الكون أصوات تنهمر على قلبي لتقول لي: "لكلّ باطل نهاية، لقد اقتربت نهاية الجلاّد"، أصوات الأبطال الذين سبقونا إلى سماءٍ فرحت باستقبالهم لأنّهم بذلوا الغالي الغالي دفاعاً عنا، هم شهداؤنا، أبناء الأرز الخالد….
انتفضت على نفسي و قرّرت أن أحفر تاريخي بيدي و أثور مع الثائرين، و إذ بي أهمّ بالرحيل تذكّرت ما نسيه الكثيرون، و هل أنسى وصيّة ما قبل الإستشهاد؟! فالتفتّ إلى أخي و قلت له : "لا تنسى أن تستفيق لئلاّ تأكلك نار العبوديّة السوداء"…
و كان هذا كلّه في يومٍ دعي بالرابع عشر من أذار، في ثورة تشرّفت بأن تحمل إسم "ثورة الأرز"….
بقلم جورج عبود