هل تصمد ورقتا "التوافقية" و"الوسطية" مع 8 آذار؟
سليمان وميقاتي أمام محاذير "اللون الواحد"
في تفاصيل تأليف الحكومة العتيدة، تعتقد مصادر سياسية عليمة ان الرئيس المكلف نجيب ميقاتي يملك اوراقا قوية، في حال تم التسليم جدلا بأن تأليف الحكومة العتيدة هو مسألة داخلية واقليمية على حد سواء، بحيث ان قوى 8 آذار، التي يرفع افرقاؤها سقف حصصهم في الحكومة، كما يفعل الافرقاء المسيحيون في هذه القوى، مضطرة في نهاية الامر الى الرضوخ للصيغة الوزراية التي يراها هو مناسبة وتسمح له بالانطلاق، تحت طائل امرين: إما تأخير تأليف الحكومة على غرار ما حصل مع الرئيس سعد الحريري حين دعمت سوريا و"حزب الله" مطالب رئيس "التيار الوطني الحر" وتم تأخير الحكومة لأربعة اشهر لهذه الغاية، فيفقد الرئيس ميقاتي في هذه الحال الزخم المطلوب والذي يراد تحقيقه عبر الحكومة، وإما الاعتذار عن تأليف الحكومة، علما ان الرئيس ميقاتي هو افضل الخيارات المتاحة لهذا الفريق من حيث القدرة على تأليف حكومة تتمكن من تأمين عبور لبنان إلى المرحلة المقبلة بأقل الاضرار الممكنة. وبحسب المصادر العليمة، فان المواقف التي ادلى بها غالبية افرقاء قوى 8 آذار، باستثناء "حزب الله" الذي لفت قول احد مسؤوليه ان الحكومة العتيدة ليست للثأر ولا للاستئثار، ساهمت في الايحاء بأنها تمارس وصايتها على الرئيس المكلف بما لا يساعده اطلاقا لدى ابناء طائفته، بل على العكس من ذلك، من دون امكان معرفة ما هو الاتجاه الحقيقي للحكومة العتيدة. وقد بدأ ذلك الإيحاء بالوصاية نائب حركة "أمل" علي حسن خليل الذي بادر الى الرد على الورقة التي قدمها رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة للرئيس المكلف ابان الاستشارات النيابية، ملتفّاً على موقف الرئيس ميقاتي على نحو مسبق. ثم جاءت مواقف رئيس التيار الوطني الذي يعتمد الاسلوب نفسه الذي اعتمده في المفاوضات مع الرئيس الحريري لدى تأليفه الحكومة السابقة مع فارق رئيسي يتصل بوجود تساؤلات اذا كانت سوريا والحزب سيدعمان مطالب العماد ميشال عون الى درجة افشال ميقاتي قبل انطلاقه، ام ان الرئيس المكلف يرفض الوصاية التي تمارس مسبقا عليه لجهة تحديد الهوية السياسية للحكومة التي سيرأس وستتم مساعدته في هذا الاطار؟ اذ انه في كل المواقف التي اطلقها، حاول الرئيس ميقاتي ان يظهِّر او يغلِّب وسطيته، في حين ذهب الافرقاء الذين سموه لرئاسة الحكومة الى ابعد من تحديد الهوية السياسية – اي حكومة اللون الواحد –، من حيث ضرورة مغادرة فريق 14 آذار ثوابته من اجل ان ينضوي تحت لافتة التيار الوطني الحر مثلا وحلفائه، وما يعنيه ذلك، بل الى تحديد جدول اعمال الحكومة على نحو يبرز تعديا على نحو مسبق على صلاحيات رئيس الحكومة ويحرجه امام طائفته الى حد كبير في وقت يجهد لرأب الصدع الذي أحدثه أسلوب تكليفه. وفيما كان متوقعا مع الحكومة برئاسة الحريري ان يتم تعقيد الامور عليه في تأليف حكومته نظراً للضربة الكبيرة التي تلقتها قوى 8 آذار نتيجة الانتخابات النيابية وعدم فوزها بالاكثرية ووجود خلافات جذرية مع سوريا في ظل اصرار الحريري على مد اليد من أجل تأليف حكومة وحدة وطنية آنذاك وليس حكومة اكثرية من قوى 14 آذار.
ووفق المنطق نفسه، فان الاوراق في يد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قوية نسبيا بدورها من المنطلق نفسه، نظرا الى الحاجة الى تغطية شرعية لا بد ان يوفرها موقع الرئاسة الاولى، تحت وطأة المخاطرة بالعودة الى ما عاناه هذا الموقع بعد التمديد القسري للرئيس اميل لحود اقليميا ودوليا، وتحت طائلة فقدان رئيس الجمهورية دوره التوافقي على رغم الملاحظات الكثيرة على اداء هذا الدور.
الا ان ما يحصل في المواقف التي يطلقها افرقاء الاكثرية الجديدة يخشى ان يتعدى تطور الامور ظاهريا. فهؤلاء الافرقاء لم يخفوا نيتهم في حكومة من لون واحد في رسالة واضحة عن المحور السياسي الذي تسعى هذه الاكثرية الى ان تطبع الدولة بطابعه على نحو مسبق من خلال التعبير عن اخذ لبنان كليا الى المحور الاقليمي الذي تنتمي اليه وعلى نحو يضيق هامش الحركة فعليا على كل من رئيس الجمهورية والرئيس العتيد للحكومة. والمواقف التي اطلقت في المهرجان التضامني مع مصر، اذا كانت تعبر عن امر ما في الشكل من حيث إدلاء كل القوى المساهمة في الاكثرية الجديدة، أكانت شاركت في المهرجان ام لا، بدلوها في الموضوع المصري على نحو يذكر بكلمة السر التي كانت تسري في زمن الوجود السوري اضافة الى المضمون الواحد، لجهة محاولة توظيف الانتفاضة الشعبية المصرية على نحو يصب في خانة المنطق السياسي لهذه القوى. اذ حتى الآن تم التعامل مع الانقلاب السياسي في لبنان على انه حصل لاسباب داخلية تتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان في حين سيظهر يوما بعد آخر ان المحكمة قد تكون مجرد ذريعة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، خصوصا بعد الفشل في امتلاك القدرة على وقف المحكمة او القرار الاتهامي. وهذا التوجه السياسي سيشكل عنوان الحكومة المقبلة بما يُخشى ألاّ تنجح معه لا "وفاقية" الرئيس سليمان ولا "وسطية" الرئيس ميقاتي، بل ان تجرفهما هذه الاكثرية، خصوصا ان لم يتم استخدام ما يمكن ان يعتبر اوراقا قوية في ايديهما في الوقت المناسب.