ثلاثة تغيب عن ثورة مصر: فلسطين، والنزعة الدينية، والوحدة العربية.
ليس في ذلك عيب، فالعنوان المرفوع يفتح الطريق امام تغيير جذري يحدد، حين انجازه، توجهات هذه الدولة المركزية في الاقليم، عربياً وافريقياً واسلامياً.
برغم ذلك، ترتفع أصوات بعض العرب ممن لم يغادروا مرحلة تأميم قناة السويس، والوحدة العربية "الصوتية"، والتلويح بالأيدي في وجه اسرائيل، لتؤكد ان دافع هذه الثورة هو غياب عقيدة المواجهة مع الصهيونية، بينما يرتفع صوت طهران مبشراً بـ"شرق أوسط اسلامي"، لم يلمحه سوى خامنئي مرشد الثورة الايرانية.
ما تقوله غضب المصريين، وقبلهم التونسيون، هو ان زمن تعليق الحريات على مشجب تحرير فلسطين قد انتهى، وان هناك أصواتاً من حقها ان ترتفع "فوق صوت المعركة" ما دامت هذه لا يظهر لها ملمح، بل تبطن رغبة في صلح يؤخره بعض التفاصيل.
وما يقوله كل الشعوب العربية صمتاً وصراخاً، هو ان الوعد بالحرية والديموقراطية والعيش الكريم، بعد تحرير فلسطين، انكشف انه وعد من لا يملك إرادة الفعل، لمن لم يعد يملك القدرة على الصبر، فكيف والاتفاقات مع إسرائيل تُوقع علناً وسراً، أو يسعى البعض إليها بخفر الراغبين؟
شهد مطلع خمسينات القرن الماضي انقلابات عسكرية، بعنوان تحقيق احلام الجماهير في الوحدة والحرية والاشتراكية، أحلت أنظمة جمهورية تدّعي الخصومة مع الملكيات، حكما وبنية، لتتحول، عمليا، ديكتاتوريات ابدية يعود فيها الى الرئيس ملكية الارض وما عليها، ومعها حقه في ان يرث نفسه ما دام فيه نبض حياة. ولم يلبث هذا المنطق، ومع دخولنا القرن الحادي والعشرين، ان أسس قاعدة الارث العائلي، وهي القشة التي قصمت ظهر البعير في مصر.
الأمر الاكيد في ما يحدث في مصر انه جددّ النظرة اليها كموقع ودور استراتيجيين، ينعكس ما يجري فيها على محيطها الأول أي العالم العربي، وإلا فما تفسير تقهقر عنجهية عدد من الانظمة وصلافتها في وجوه شعوبها، كما حال اليمن الذي سارع رئيسه الى اعلان عزمه على عدم طلب تجديد ولايته، الى جانب تراجعات أخرى، أو كما حال رئيس الحكومة العراقية الذي تخلى عن نصف راتبه وعن اي رغبة في ترؤس اي حكومة مقبلة، وغيرها كثير، ممن اضطر الى فتح حوار مع المعارضة استباقاً للعدوى المصرية.
هذه العدوى جعلت أنظمة عربية أخرى تنكر كل أدبياتها عما يوحّد الشعوب العربية من مشاعر وتقاليد وسمات اجتماعية وتطلعات مستقبلية، لتندفع في التنظير لـ"مجتمعات عربية متمايزة" لا ينفع معها منطق الدومينو القائل إنه اذا تدحرج حجر منها تبعته الاحجار الاخرى.
لكن هذه العدوى تبدو عصية على العلاجات، فالازمة الاقتصادية العالمية احدثت صدمة عدالة في العالم العربي، حيث كانت الاختلالات الاقتصادية سبباً لمشاعر العصيان والمساومة، على حد وصف استخدمه وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو. يضاف الى ذلك ثورة الاتصالات التي أخرجت وسائل الاعلام من قبضة الدولة، وكذلك انكشاف ضعف بنى الدولة وخضوعها لإرادة شخص وقبيلته العائلية أو الطائفية، مع ما يجرّه ذلك من استهتار بالقوانين والقيم العامة، بحيث تغيب كل مرجعية يمكن ان يستند اليها الافراد في ترتيب شؤونهم.
كل من زار مصر، قبل الثورة الشعبية الراهنة، كان يتساءل ماذا ينتظر المصريون ليثوروا، وكان ينتهي الى انطباع انّ مصر هي مسكن الله الاول. فكل الامور متروكة له، من صعوبة تحصيل لقمة العيش الى ايجاد مأوى، لكأن المصريين اكتشفوا فجأة يوم 25 كانون الثاني انهم يجب ان يكونوا مع انفسهم أولاً كي يكون الله معهم، وأن وصاية النظام الأبدية عليهم لها نهاية يقررونها بأنفسهم.
قد يكون من المبالغة القول ان الاحتلال الأميركي للعراق، على ضخامة سلبياته، نبّه الشعوب العربية الى ان الحكام ليسوا قدراّ، وأن القوة وحدها تزيل طغيانهم، وليس بالضرورة أن تكون خارجية. وهل هناك أكثر تعبيرا عن الديموقراطية من الارادة الشعبية؟
قد يكون مفيدا التذكير بما خلفته حملة نابليون بونابرت على مصر من تغيير وتحديث في الحكم والعلوم الى جانب إذكاء الشعور القومي، برغم أن ذلك لم يكن في مخطط الغزاة الذين اندحروا بعد 3 سنوات من دخولهم أرض الفراعنة: لم يكن هدف بونابرت تحديث مصر ولا تثقيف الشعب المصري أو تعليمه، فهو غزاها لأهميتها الاستراتيجية تماما كحال الاحتلال الاميركي للعراق، لكن عدوانه نبّه المصريين الى الحداثة.
ألا ينطبق الأمر على ايران التي لا يزال حكامها يصارعون "الثورة الخضراء" التي لا تيأس،بالقتل والاغتيال والتشهير والمحاكمات الصورية والاتهام بالزندقة والتجديف الديني، فيما يتنطحون لإعطاء الدروس والنصح لثورة مصر الحديثة؟
لا شك في أنه ينطبق، فجذور المأساة هي نفسها: إدعاء تغيير لا يأتي، ووعد بخلاص فلسطين لا قبس نور منه، وإلا لمَ لم نشهد إبحار سفن الثورة الإيرانية لفك الحصار عن غزة وفق ما كان ادعى ممثل المرشد في القوى البحرية التابعة للحرس الثوري؟