الخميس الخامس بعد الدّنح
الرّسالة: غل 2: 1-10
مجمع أورشليم
1 ثمّ بعدَ أربعَ عشرةَ سنة، صعدتُ من جديدٍ إلى أورشليمَ معَ برنابا، وأخذتُ معي طيطس أيضًا.
2 وكانَ صعودي إليها بوحي. وعرضتُ على ٱنفرادٍ أمامَ أعيانِ الكنيسة الإنجيلَ الّذي أكرزُ بهِ بينَ الأمم، لئلّا أسعى أو أكونَ قد سعيتُ باطلًا!
3 وإنّ طيطسَ نفسهُ الّذي كانَ معي، وهو يونانيّ، لم يُلزمْ بالختانة،
4 برغمِ الإخوةِ الكذّابينَ الدّخلاء، الّذينَ ٱندسّوا خلسةً لكي يتجسّسوا حُرّيتنا، الّتي نحنُ عليها في المسيحِ يسوع، حتّى يستعبدونا.
5 فما ٱستسلمنا ولا خضعنا لهم ولا ساعة، لكي تدومَ لكم حقيقةُ الإنجيل.
6 أمّا الّذينَ يُعتبرونَ منَ الأعيان، ومهما كانوا قبلًا فلا يعنيني، لأنّ الله لا يُحابي وجوهَ النّاس!، فإنّهم لم يفرضوا عليَّ شيئًا،
7 بل بالعكسِ رأوا أنّي ٱئتُمنتُ على تبشيرِ غيرِ المختونين، كما ٱئتُمنَ بطرسُ على تبشيرِ المختونين،
8 لأنّ الّذي عملَ في بطرسَ ليكونَ رسولًا لأهلِ الختانة، عملَ فيّ أيضًا لأكونَ رسولًا للأمم،
9 فلمّا عرفَ يعقوبُ وكيفا ويوحنّا، الّذينَ يعتبرونَ أعمدةَ الكنيسة، النّعمة الّتي وهبت لي، مدّوا إليّ وإلى برنابا يُمنى المشاركة، لنكونَ نحنُ للأمم، وهم لأهلِ الختانة،
10 على أن نتذكّرَ الفقراء، وهٰذا ما ٱجتهدتُ أن أقومَ بهِ.
شرح آيات الرّسالة:
1 رسل 15/2؛ 4/36؛ 11/30؛ 2 قور 2/13.
بعد أربع عشرة سنة: يربط بولس صعوده هٰذا إلى مجمع الرّسل، المنعقد في أورشليم سنة 49، بحدث ٱهتدائه إلى المسيح، كما يربط صعوده الأوّل، راجع شرح 1/18. فيكون تاريخ ٱهتدائه سنة 36 تقريبًا. بينما يربطه شُرّاح بزيارته الأولى إلى أورشليم بعد ٱهتدائه، فتكون من ثمّ سنة 36 تاريخ زيارته الأولى، وتاريخ ٱهتدائه قبل ثلاث سنوات أي سنة 34. ويُجمع الشُّرّاح على أنّ هٰذه الزّيارة هي تلك المذكورة في رسل 15، للاشتراك في مجمع الرّسل. راجع شرح رسل 15/1-35.
2 1 قور 15/11؛ غل 4/11؛ فل 2/16.
بوحي: قد يكون إلهام من الرّوح القدس ٱضطَرَّ بولسَ أن يصعد إلى أورشليم ليُطلع الرّسل على الإنجيل الّذي كان يبشّر به، لا لأنّه غير مُتيقّن من صحّة إنجيله، بل لأنّه يرى أن الشّركة بين جميع الكنائس الّتي أسّسها والكنيسة الأمّ في أورشليم كانت أمرًا ضروريًّا، لئلّا يكون تبشيره باطلًا! وقد تكون الكنيسة في أنطاكية هي الّتي قرّرت فٱضطَرَّته أن يصعد إلى أورشليم (رسل 15/2).
عرضت: ترجمة أخرى "أطلعتهم" ورد هٰذا الفعل في العهد الجديد مرّتين هنا وفي رسل 25/14، ويعني عرض قضيَّة ما، طلبًا لمشورة ومساعدة في إيجاد حلّ لها. يعبّر بولس عن قَلَقه في الحاضر والماضي معًا: "لئلّا أسعى أو أكون قد سعيت باطلًا" (2/2؛ 4/11). لا يشكّ بولس إطلاقًا في أصالة إنجيله، بل يخاف أن يسيء فهمَ إنجيله الرّسلُ السّابقون، فيرفضون ٱعتبار الكنائس، الّتي أسّسها، من صُلب الكنيسة الأمّ في أورشليم، وقد حرص بولس كلّ الحرص على وحدة الكنيسة في شقّيها اليهوديّ والوثنيّ. فالرّسل إذًا قبلوا طيطس الوثنيّ غير المختون (2/3-5)، وأقرُّوا رسميًّا برسالة بولس (2/6-10).
أعيان الكنيسة: حرفيًّا "الظّاهرين"، وتعني الكلمة في الأدب اليونانيّ النّاس المشهورين والمعتبَرين. ترد اللّفظة هنا أربع مرّات؛ في صورة غير محدّدة (2/2، 6ب)، ومحدّدة (المعتبَرين أنّهم شيء" (2/16)، "والمعتبَرين أنّهم أعمدة" (2/9)، وهم هنا "يعقوب وكيفا ويوحنا" (2/9)، بينا يرى شُرّاح أنّ هٰؤلاء الثّلاثة هم غير "المعتبَرين أنّهم شيء" وغير "المعتبَرين". وقد يعني بولسُ السّلطةَ الرّسوليّة الأولى في أورشليم، مع كلّ من يدّعي السّلطة من المتهوّدين (6/3).
3 طيطس: معاون الرّسول بولس (راجع شرح 2 قور 2/13؛ 8/23). كان حضوره المقصود في مجمع الرّسل، في رفقة بولس، شهادة صارخة في نجاح بولس بين الأمم، وتشديدًا على الحرّيّة المسيحيّة في عدم فرض شريعة الختانة على المهتدين من الأمم. أمّا طيموتاوس فقد ٱضطُرَّ بولس أن يختنه تسهيلًا لرّسالته في محيطه اليهوديّ (رسل 16/1-3). إذًا كان لبولس في هٰذا الموضوع مواقف عمليّة ليّنة ومختلفة (1 قور 9/19-21)، برغم إصراره على مبدأ الحرّيّة في صورة مطلقة.
4 رسل 15/1، 24؛ غل 1/7؛ 5/1، 13؛ فل 3/8-9؛ روم 6/15.
بسبب الإخوة: حرفيًّا "أمّا بسبب الإخوة"، وتبقى الجملة كلّها بدون فعل ناقصة. لذٰلك حذفنا "أمّا"، فظهر ٱرتباط الآية 4 بالآية السّابقة، وٱستقام المعنى. لم يُختَن طيطس برغم إخوة كثيرين كانوا يفرضون الختانة اليهوديّة على الأمم المهتدين، وكأَنَّ الإيمان بالمسيح بلا ختانة غير كافٍ للخلاص! يدافع بولس عن مبدأ الحرّيّة المسيحيّة (4/7، 5/1)، الّتي نالها اليهودُ، وقد كانوا عبيدًا للشّريعة (4/1-5)، والأممُ، وقد كانوا عبيدًا لآلهة غريبة (4/9).
5 غل 2/14؛ 5/7.
فما استسلمنا: حرفيًّا "فما ٱستسلمنا للخضوع لهم ساعة". وفي المخطوط الغربيّ الأصلي، وبعض المخطوطات الاتينيّة القديمة، وبعض الآباء اللّاتين "ٱستسلمنا" يُحذَف النّفي، وتضحي الآية 5 مرتبطة بالآية 4. ويصير النّصّ الكامل: "أمّا بسبب الإخوة … فٱستسلمنا للخضوع لهم ساعة"، ويكون المعنى معاكسًا للآية 3. ولٰكن يرجّح أنّ تكون القراءة السّهلة هٰذه تحريفًا للنّصّ اليونانيّ الأصليّ الوارد في معظم المخطوطات البرديّة والجلديّة القديمة. ويبقى المعنى أنّ بولس لم يساوم قطّ على حقيقة الإنجيل.
6 تث 10/17؛ روم 2/11؛ رسل 10/34.
لايُحابي وجوه النّاس: حرفيًّا "لا يأخذ وجه إنسان"، أي إنّ الله لا يتّخذ قرارًا متأثّرًا بمظاهر النّاس أو بمناصبهم ومقاماتهم الرّفيعة. هٰكذا كان قرار بولس في شأن الختانة بالنّظر إلى المعتبَرين أنّهم أعمدة كنيسة أورشليم (2/9). كان همّه أن يحافظ على الوحدة والشّركة مع الرّسل من جهة، وعلى الحرّيّة المسيحيّة دون مساومة مع أيّ منصب أو سلطة في الكنيسة، من جهة أخرى.
7-8 بطرس: لم يرد ٱسم "بطرس"، في صورته اليونانيّة، سوى مرّتين تحت قلم بولس، في هاتين الآيتين، بينا ترد دومًا في صورته الآراميّة "كيفا" (1/18؛ 2/9، 11، 14؛ 1 قور 1/12؛ 3/23؛ 9/5؛ 15/5)، ومرّة واحدة في هٰذه الصّورة، في كتب العهد الجديد الباقية (يو 1/42). يُقرّ بولس بسلطة بطرس المميَّزة في الكنيسة، بشقيّها اليهوديّ واليونانيّ، ويُقرّ بعلاقته الوثيقة ببطرس وبٱستقلاله عنه في آن معًا.
7 غل 1/16؛ روم 1/5-6؛ 15/15-19؛ رسل 9/15؛ 15/3، 12؛ 22/21.
8 بطرس ليكون رسولًا…: حرفيًّا "عمل في بطرس من أجل رسالة الختانة، عمل أيضًا فيَّ من أجل الأمم".
9 غل 1/19؛ رسل 12/17.
يعقوب وكيفا ويوحنا: يستوقِفنا ترتيب الأسماء. كان بطرس أوّل من ٱستطلعه بولس في أورشليم بعد ٱهتدائه إلى المسيح (1/18). من ذٰلك الحين كان ليعقوب مقام وسلطة في كنيسة أورشليم، بفضل تعلّقه بشريعة موسى، وبفضل القُربى الّتي كانت تربطه بيسوع (1/19؛ رسل 21/18). أمّا ذكر يعقوب قبل بطرس فليس ٱنتقاصًا من سلطة بطرس، بل هو تشديد على أنّ يعقوب الّذي يمثّل المتهوّدين المحافظين على رسوم شريعة موسى، قد أيّد رسالة بولس في الدّاعية إلى التّخلّي عن شريعة الختانة.
برنابا: سبق بولس في تبشير الأمم (رسل 11/22-24). لٰكنّ بولس، بنعمة من الله خاصّة، عاد فسبقه إلى التّخلّي عن شريعة موسى.
نحن للأمم وهم لأهل الختانة: تقسيم جغرافيّ وتدبير موقَّت: كان بطرس أوّل رسول إلى الأمم (رسل 10)، ثمّ الّذين تشتّتوا بسبب قتل إسطفان (رسل 11/19-20)، ثمّ بولس، وقد كان يحرص دومًا على تبشير اليهود قبل الأمم (رسل 13/46). الوحدة والشّركة بين الرّسل تحقيق لمقاصد الله، بإزالة كلّ ما يفصل النّاس بعضهم عن بعض، ويبلغوا الوحدة الكاملة في المسيح يسوع (غل 3/28).
10 رسل 11/29-30؛ 1 قور 16/1.
الإنجيل: لو 7: 1-10
شفاء خادم قائد المئة
1 بعدُ أن أكملَ يسوع كلامَهُ كلُّهُ على مسامعِ الشَّعب، دخلَ كفَرْناحوم.
2 وكان لقائدِ مئةٍ خادمٌ به سوء، وقد أشرفَ على الموت، وكان عزيزًا عليه.
3 وسمِعَ بيسوع فأرسَل إليه بعضُ شيوخ اليهود، يسألهُ أن يأتيَ ويُنقِذَ خادمَهُ.
4 فأقبلوا إلى يسوع، وألحّوا يتوسّلون إليه قائلين: "إنّهُ مُستحقٌّ أن تصنع له هٰذا،
5 لأنّهُ يُحبّ أمَّتنا، وقد بنى لنا المجمع".
6 فمضى يسوع معهم. وما أن صار غيرَ بعيدٍ عن البيت، حتّى أرسَلَ إليه قائدُ المئة بعض أصدقائهِ، يقول له: "يا ربّ، لا تُزعجِ نفسَكَ، لأنّي لستُ أهلًا أن تدخُلَ تحت سقفي.
7 لذٰلك لم أحسَب نفسي مُستحقًّا أن آتي إليك، لٰكن قُلْ كلمةً فيشفى فتاي.
8 فإنّي أنا أيضًا رجلٌ خاضعٌ لسُلطان، ولي جُنودٌ تحت إمرتي، فأقول لهٰذا: ٱذهبْ! فيذهب، ولآخر: ٱئتِ! فيأتين ولخادمي: ٱفعَلْ هٰذا! فيفعل".
9 ولمّا سمعَ يسوع أُعجِبَ به، والتفتَ إلى الجمعِ الّذي يتبعهُ فقال: "أقول لكم: لم أجِدْ مثل هٰذا الإيمان حتّى في إسرائيل".
10 وعادَ المُرسَلونَ إلى البيت، فوجدوا الخادمَ مُعافى.
شرح آيات الإنجيل:
1 بعد أن…مسامع الشّعب: حرفيًّا "بعد أن أتمّ يسوع كلماته كلّها على مسامع الشّعب". وجّه يسوع خطبته السّابقة (6/20-49) إلى تلاميذه (6/20)، وسمعها حشد شعبيّ (6/17-19)، وتبدأ الآن مرحلة جديدة، في إنجيل لوقا، فيخاطب يسوع القائد الرّومانيّ الوثنيّ متجاوزًا اليهود إلى النّاس أجمعين. يشبه قائد المئة هٰذا القائد الوثنيّ كورنيليوس (رسل 10)، الّذي ٱنطلقت بٱهتدائه الرّسالة الإنجيليّة من العالم اليهوديّ إلى العالم الوثنيّ.
2-10 خادم قائد المئة: يسأل القائد نفسُه يسوعَ في (متّى 8/5-13)، وفي (يو 4/46-54)، أمَّا، في إنجيل لوقا، فيرسل من يسأل يسوع شفاء خادمه، وكأنّ لوقا يرى أنّ تبشير الوثنيّين محفوظ للتّلاميذ، بعد صعود يسوع إلى السّماء.
2 يو 4/47.
3 شيوخ اليهود: لم يرد هٰذا التّعبير، في العهد الجديد، إلَّا هنا، وفي (رسل 25/15)، وكأنّ لوقا يريد مديح القائد الوثنيّ (4-5) على لسان شيوخ اليهود أنفسهم، فيجعل منهم وسطاء لدى يسوع.
6-8 لست أهلًا: يعرف القائد الوثنيّ أنّ اليهود لا يخالطون الوثنيّين، ويعي مكانة يسوع السّامية، فيرسل إلى يسوع أصدقاء ليُعفيه من المجيء إلى البيت: كلمة منه تكفي!
9 متّى 8/10.
الإيمان: يؤمن القائد بسلطان يسوع المطلق، لا بقدرته على شفاء غلامه فقط. الإمبراطور يولي القائدَ سلطانًا، ويولي اللهُ يسوعَ سلطانًا. حُكْم يسوع، في لوقا، على إيمان إسرائيل، أخفّ وطأة منه في (متّى 8/10).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ