من كفرحي إلى بكركي: منارات الوجود المسيحي في الشرق

قبل توجهه إلى روما، أسس القديس بطرس كنيسة انطاكيا، وأصبحت بطريركية إنطاكيا تشمل منطقة شرق المتوسط، أي دول لبنان وسوريا وتركيا وقبرص.

أما الطائفة المارونية فتعود بجذورها إلى القديس مارون الراهب الذي عاش في القرن الرابع (350 – 410) وتنسك على جبل سمعان الواقع قرب مدينة حلب شمال سوريا، وجمع حوله عشرات الرهبان. وبعد وفاته انتشر رهبانه في شمال سوريا ووصل بعضهم إلى جبال لبنان مبشرين. ويؤكد بعض المؤرخين أنهم لعبوا دوراً تبشيرياً هاماً ما أدى إلى إضعاف سلطة بطريرك إنطاكيا على المناطق الموجودين فيها. وتوسعت أديارهم حتى قاربت أربعين ديراً تحلقت حولها جماعات من المؤمنين الملتزمين العقيدة الخلقيدونية، ما دفع البطريرك الانطاكي افرام اميد (529 – 545) لتقريبهم إليه مستعيناً بعلمهم وخبرتهم اللاهوتية، ورغم النكبة التي حلت بهم إستمر من نجا منهم برسالته التبشيرية.

إعتباراً من منتصف القرن السادس انتقل النشاط الماروني من شمال سوريا إلى منابع نهر العاصي في منطقة الهرمل وإلى جبال شمال لبنان، وقد يكون من أسباب هذا الانتشار أن هذه المناطق عالية ووعرة من الصعب على الجنود القادمين من سهول القسطنطينية وانطاكيا اختراقها بسهولة.

في تلك المرحلة بدأت الهوية المارونية بالبروز وتبلورت مع ظهور عدد من الصلوات الخاصة بالموارنة.
في القرن السابع خرجت انطاكيا نهائياً عن سلطة القسطنطينية بعد أن اجتاحتها الجيوش الاسلامية سنة 636. وأصبحت عاصمة المسيحيين في الشرق من دون بطريرك، فعمد الأساقفة في القسطنطينية إلى انتخاب بطريرك فخري لانطاكيا يقيم في مدينتهم، وما كان يمارس من مهامه شيئاً. وبعد سيطرة الخليفة معاوية على بلاد الشام سمح للمسيحيين الخلقيدونيين الملكيين الذين يتبعون روما برسامة بطريرك على كرسي انطاكيا، فرسم "البطريرك ثيوكلفت" لكنه أقام في دمشق، ولم يمارس أي نشاط.

بعد وفاة البطريرك ثيوكلفت عام 681 منع يزيد خليفة معاوية المسيحيين من انتخاب بطريرك جديد لكرسي انطاكيا، وكان البيزنطيون توقفوا بعد وفاة البطريرك انستاز الثاني في أيلول 669 عن رسامة البطاركة الفخريين لانطاكيا، فأضحى الكرسي البطريركي الانطاكي شاغراً وأحوال المسيحيين ضائعة من دون بطريرك.

في هذا الوقت. ورغم كل ما تعرضوا له من نكبات، أصبح عدد الموارنة كبيراً وانتشارهم يمتد من سهول حلب وحمص شمالاً حتى قمم جبل لبنان نواحي منابع نهر ابراهيم جنوباً، وإلى دمشق شرقاً، وعدد من رهبانهم أصبحوا أساقفة.

عام 686، اجتمع الرهبان الموارنة وانتخبوا الراهب يوحنا مارون أسقف مدينة البترون منذ عام 675 بطريركاً على كرسي انطاكيا الشاغر، وهو البطريرك الثالث والستون بعد القديس بطرس مؤسس الكرسي البطريركي والبطريرك الماروني الأول. وبهذا الانتخاب بدأ بناء وتنظيم الكنيسة المارونية على الصعيد الكنسي والوطني والاجتماعي.

لم يكن الهدف من انتخاب القديس يوحنا مارون بطريركاً الانشقاق عن الكنيسة الأم الجامعة في روما، بل تعبئة فراغ بعد شغور الكرسي البطريركي الانطاكي، وحفظ الرعية من التشتت والارتهان والذوبان، وتسريع شؤون المواطنين لأن روما بعيدة جداً عن الشرق.

لذلك فور انتخابه وجه البطريرك الماروني الأول رسالة إلى قداسة الحبر الأعظم معلناً خضوعه لخليفة القديس بطرس طالباً درع التثبيت، فأتاه الدرع وأصبح البطريرك الماروني خليفة القديس بطرس في رئاسة الكنيسة الانطاكية، وراح البطاركة الموارنة يضيفون إسم بطرس خليفة السيد المسيح إلى أسمائهم.

عند انتخابه حاول البطريرك مار يوحنا مارون التوجه إلى شمال سوريا، لكنه لم يستطع البقاء هناك طويلاً فعاد إلى جبل لبنان حاملاً معه هامة القديس مارون، وجعل كرسيه في دير كفرحي في وسط منطقة البترون الذي أسماه "دير ريش موران" أي "دير رأس سيدنا" باللغة السريانية، واستمر في إدارة شؤون رعيته المارونية من دير كفرحي، وكان في بعض الأوقات ينتقل إلى قلعة سمار جبيل في منطقة البترون حتى وفاته سنة 707.

بعد وفاة البطريرك الماروني الأول انتخب إبن اخته قورش بطريركاً جديداً وأقام في دير كفرحي، الذي أقام فيه أيضاً جبرائيل البطريرك الماروني الثالث.

البطريرك الماروني الرابع يوحنا مارون الثاني حاول العودة إلى إنطاكيا لإعادة ملء كرسيها الشاغر، لكن العرب المسيطرين على تلك النواحي حالوا دون ذلك، فعاد إلى جبل لبنان ولم يسكن دير كفرحي بل صعد إلى دير سيدة يانوح قرب العاقورة في أعلى بلاد جبيل وأقام فيه، فانتقلت البطريركية المارونية إلى هناك.

سبب انتقال البطريرك الماروني إلى يانوح مرده إلى بعدها عن المناطق الساحلية المسيطر عليها من قبل العرب. ومن الصعب جداً على الخيول العربية الصعود إلى قمم جبل لبنان، على عكس كفرحي الممكن إقتحامها من قبل الجيوش الاسلامية.

في دير سيدة يانوح أقام البطاركة: يوحنا الدملصي (من بلدة دملصا في قضاء جبيل) وغريغوريوس المعاصر لهارون الرشيد (الخليفة العباسي الخامس حكم ما بين عامي 786 و809 ميلادية) وإسطفانوس الأول ومرقس وأوسابيوس الذي عرّب حوشب ويوحنا الرابع الذي شارك في المجمع القسطنطيني سنة 869 ويشوع وداوود وغريغوريوس وتاوقيلكتوس (أو توافيلقطوس) المعرّب حبيب ويشوع الذي دعي أيضاً عيسى ودوميطيوس (أو ضوميط)، وإسحاق ويوحنا الخامس. وفي أيامه ظهر المطران داوود مترجم كتاب الهدى. وسمعان الأول وأرميا الأول ويوحنا السادس وشمعون الأول وشمعون الثاني ويوسف الجرجسي وكان بطريركاً عند قدوم الصليبيين سنة 1098 وفي عهده ابتدأ الموارنة بدق الأجراس بدلاً من نواقيس الخشب. فيكون دير سيدة يانوح مقراً بطريركياً مارونياً لنحو 370 سنة متتالية.

سنة 1120، انتخب بطرس الأول بطريركاً في دير سيدة يانوح، لكنه نقل مقره إلى دير سيدة إيليج في ميفوق الواقعة حالياً في قضاء جبيل على حدود قضاء البترون، وبقي فيه حتى وفاته سنة 1130.

في دير سيدة إيليج، أقام البطريرك غريغوريوس وهو من بلدة حالات عند ساحل جبيل حتى وفاته سنة 1141 والبطريرك يعقوب من رامات، ورامات بلدة إندثرت كانت موجودة شرق بلدة جران في وسط منطقة البترون.

بعد وفاة البطريرك يعقوب الراماتي سنة 1151، اننقل خليفته البطريرك يوحنا السابع المعروف بيوحنا اللحفدي للاقامة في دير مار الياس في بلدته لحفد في وسط منطقة جبيل (مسقط رأس الطوباوي الأخ إسطفان نعمه)، ومن ثم أقام لبعض الوقت في بلدة هابيل عند ساحل منطقة جبيل، لكنه عاد إلى دير سيدة إيليج، وتوفي فيه سنة 1154.

أقام في دير "سيدة أيليج" أيضاً البطاركة: بطرس الثاني وبطرس الثالث وبطرس الرابع وأرميا العمشيتي من عمشيت في قضاء جبيل المنتخب سنة 1209، وهو أول بطريرك ماروني يزور حاضرة الفاتيكان سنة 1213 للمشاركة في المجمع المسكوني المنعقد في لاتران (المجمع اللاتراني) الذي قرر إيفاد حملة صليبية جديدة لاسترجاع الأراضي المقدسة. وبحسب الدويهي عاد إلى لبنان سنة 1215 ونزل في طرابلس في شهر آذار وصعد إلى دير سيدة إيليج حيث توفي سنة 1230. وذكر ابن القلاعي أنه لما كان البطريرك أرميا يقدّس في حضرة البابا وانتهى إلى رفع القربان، فرفعه وبقيت "الشيلة" معلقة في الهواء فوق رأسه، فذهل البابا وأمر بنقش صورة تذكارية لهذه الآية على جدار كنيسة القديس بطرس القديمة، شاهدها الدويهي حين كان طالباً في روما.

خلف البطريرك أرميا العمشيتي البطريرك دانيال الشاماتي (من بلدة شامات في منطقة جبيل) وبعد انتخابه في دير سيدة إيليج انتقل إلى دير كفيفان في وسط منطقة البترون، ومنه إلى دير كفرحي المقر البطريركي الأول، وبحسب الدويهي كان سنة 1236 مقيماً في دير مار جرجس الكفر – جبيل، وعاد إلى دير سيدة إيليج ومات ودفن فيه سنة 1239.

البطريرك يوحنا بطرس الجاجي (من جاج في قضاء جبيل) انتخب في دير سيدة إيليج وأقام فيه لفترة من ثم انتقل إلى دير سيدة يانوح، وعاد إلى إيليج ليعود ويموت ويدفن في يانوح.

في يانوح، انتخب البطريرك سمعان الرابع سنة 1245 وبعد سنة على انتخابه وصل إلى جبل لبنان الأخ لورنسيوس الفرنسيسكاني زائراً رسولياً متوجهاً إلى الشعب الماروني من قبل البابا اينوشنسيوس الرابع. وفي عهده، قرر ملك فرنسا لويس التاسع عام 1270 قيادة حملة صليبية جديدة إلى الشرق، فاستعد آلاف المقاتلين الموارنة بقيادة الأمير سمعان لملاقاتها، لكن بسبب تفشي وباء قاتل بين الجنود لم تكمل الحملة طريقها إلى القدس.

بعد وفاة البطريرك سمعان الرابع سنة 1277، جدد خليفته البطريرك يعقوب الثاني دير سيدة إيليج وأقام فيه، وسكن في إيليج ايضاً البطريرك دانيال الحدشيتي (من حدشيت في جبة بشري)، وفي عهده وصلت حملة المماليك بقيادة الملك الظاهر إلى طرابلس سنة 1264 فتصدى لها الموارنة الهابطون من جبالهم وأوقفوا تقدم المماليك إلى جبل لبنان، الذين أعادوا الكرة سنة 1266 ولم يتمكنوا أيضاً من التقدم. وأوائل سنة 1282، وجه المماليك حملة كبيرة إلى جبل لبنان بقيادة السلطان قلاوون ولاقاه حسام الدين من دمشق وحاصروا جبة بشري واجتاحوا حصرون والحدث وحاصروا الموارنة المتحصنين في إهدن بقيادة البطريرك دانيال الذي كان يقود المقاتلين الموارنة بنفسه مدة أربعين يوماً، ولم يتمكنوا من إقتحام إهدن إلا بالحيلة بعد أن قبضوا على البطريرك وقتلوه، ودفن في إيليج سنة 1282.

عندما زال الحكم الصليبي من الشرق إلتجأ إلى جبال الموارنة من بقي من الأوروبيين واندمجوا مع أهالي البلاد، فمنح البابا الكسندر الرابع البطريرك الماروني كل التفويضات والصلاحيات لرعاية المنتسبين إلى الطقس اللاتيني وإعتبارهم كأبناء الطائفة المارونية، ومن هؤلاء المقاتلين الصليبيين الأوروبيين تتحدر عشرات العائلات المارونية اللبنانية التي ما زال بعضها يحمل أسماء أوروبية.

سيطرة المماليك على جبل لبنان، جعلت الموارنة يدفعون ثمن صداقتهم للصليبيين، فراح الحكام الجدد يضطهدونهم ويضيقون عليهم ويحاربونهم وينكلون بهم، حتى وصل بهم الأمر إلى إعتقال البطريرك الماروني وقتله (البطريرك جبرائيل الحجولي).

بعد البطريرك دانيال الحدشيتي، تسلم السدة البطريركية البطريرك لوقا البنهراني (من بلدة بنهران في قضاء الكورة) المنتخب سنة 1282 في دير إيليج، وبحسب الدويهي تنقل في إقامته ما بين إيليج وبلدته بنهران ودير سيدة ديرونا في أعالي بلدة بلا في جبة بشري صيفاً، كما سكن لفترة في دير مار قوزما ودميانوس قرب بلدة برحليون في جبة بشري، ولم تعرف سنة وفاته ومكانها، وخلفه البطريرك أرميا الدملصاوي (من بلدة دملصا في قضاء جبيل) وهو البطريرك الثالث بهذا الاسم، وانتخب في دير حالات عند ساحل جبيل وسافر إلى روما. وفي عهده جرت نحو سنة 1290 معركة استرداد جبيل من المماليك، فحاول الموارنة اقتحام المدينة من جهتي وادي الفيدار ووادي المدفون، وكانت مهمة مقاتلي الموارنة المتحصنين في وادي المدفون بقيادة مقدم كفركده، قطع طريق الامداد القادم من طرابلس لنجدة حامية جبيل، وجرت في الوادي معركة رهيبة قتل خلالها مقدم كفركده، ومن يومها أصبح وادي المدفون يعرف بهذا الإسم لكثرة ما دفن فيه من قتلى المماليك، بعد أن كان يعرف بوادي حربا أي وادي الحرب في اللغة السريانية، وكان إسم وادي حربا أخذ من المعركة التي جرت نحو 693 بين الموارنة المتحصنين في قلعة سمار جبيل والجيش البيزنطي. كما أنهى المماليك في عهد هذا البطريرك الوجود الصليبي نهائياً في جميع مدن الشرق ما عدا جزيرتي قبرص وأرواد.

خلف البطريرك أرميا الدملصاوي المتوفي سنة 1297 البطريرك شمعون أو سمعان الخامس، الذي أقام في إيليج. وفي عهده بدأت أفظع حملة تنكيل جردها المماليك ضد الموارنة وبشكل لم يعرفه التاريخ الماروني من قبل، وسنة 1302 وجه المماليك حملة إلى جبل لبنان فواجههم الموارنة بقيادة مقدميهم: خالد مقدم مشمش وسنان وأخوه سليمان مقدما إيليج وسعاده وسركيس مقدما لحفد وعنتر مقدم العاقورة وبنيامين مقدم حردين. وعند مدخل جبيل كانت الموقعة الرهيبة التي قتل فيها حمدان قائد جيوش المماليك.

بعد البطريرك سمعان الخامس انتخب البطريرك يوحنا العاقوري سنة 1339 وهو الخامس بهذا الاسم وأقام في إيليج، وخلفه سنة 1357 البطريرك جبرائيل من حجولا الواقعة في جرود منطقة جبيل وأقام في إيليج. وفي نيسان 1367 أحرقه المماليك عند مدخل طرابلس، وبحسب الدويهي يمكننا تلخيص ظروف استشهاده بالتالي: أغار ملك قبرص الصليبي على الاسكندرية، فأمر سلطان مصر نائبيه في الشام وطرابلس بالانتقام من الموارنة وبطريركهم، من دون ذنب إقترفوه فقبض نائب طرابلس على أربعين رجلاً مارونياً بعضهم من حجولا قرية البطريرك، مرغماً البطريرك الماروني على الاستسلام الذي سلم ذاته لإطلاق سراح المحتجزين وما أن تسلمه نائب طرابلس حتى أمر بإحراقه خارج المدينة في محلة طيلان، وكان ذلك في الأول من نيسان 1367.
خلف البطريرك الحجولي البطريرك داود الثاني (عرف أيضاً باسم داود يوحنا) الذي انتخب في إيليج وأقام لفترة في بلدة هابيل عند ساحل جبيل، من ثم انتقل إلى دير مار سركيس في حردين في جرود منطقة البترون ليعود إلى إيليج. وبعد وفاته سنة 1404 انتخب يوحنا الجاجي (من جاج) في إيليج وأقام فيها ومن ثم انتقل إلى قنوبين، ومعه انتقل مقر البطريركية المارونية إلى وادي قنوبين.

لانتقال البطريركية المارونية إلى قنوبين قصة تقول: عام 1439 وجه البابا أوجين الرابع إلى البطريرك الماروني دعوة للمشاركة في المجمع الذي سيعقد في فلورنسا والمخصص لتوحيد الكنيستين الشرقية والغربية، فلم يتمكن من المشاركة وانتدب عنه رئيس الرهبان الفرنسيسكان في بيروت الأب فراجون باعثاً معه رسالة تعلن قبول الكنيسة المارونية بكل ما يحدده ويقره المجمع، وتليت الرسالة في المجمع في جلسة 12 شباط 1439.

مطلع تشرين الأول عاد الراهب فراجوان إلى طرابلس حاملاً معه درع التثبيت ورسائل من البابا للبطريرك الماروني فلاقاه الموارنة إلى المدينة، فأوجس منه نائب طرابلس شراً، فاعتقله بحجة أنه جاسوس للصليبيين الذين يحاولون العودة إلى الشرق.

لما وصل الخبر إلى إيليج، أوفد البطريرك الماروني بعض أعيان الطائفة إلى نائب طرابلس كافلين الراهب، فأفرج عنه وصعد إلى إيليج وسلم البطريرك درع التثبيت والرسائل، ومن ثم عاد إلى بيروت.

يبدو أن نائب طرابلس بدّل رأيه فطلب إحضار الراهب ولما علم أنه أصبح في بيروت، جرد حملة عسكرية على دير إيليج، نكّل خلالها الجنود بالرهبان والأهالي وخربوا الدير والبيوت والحقول. أما البطريرك يوحنا الجاجي فهرب مع العديد من الرهبان والفلاحين الموارنة إلى وادي قنوبين، وكان ذلك عام 1440 فأكمل حبريته في دير سيدة قنوبين حتى وفاته سنة 1445، وبه ابتدأت سلسلة البطاركة الموارنة الذين استقروا في وادي قنوبين.

بعد البطريرك الجاجي انتخب في دير سيدة قنوبين البطريرك يعقوب بطرس بن الحدثي (من الحدث والثالث باسم يعقوب) الذي أقام في قنوبين ومات في 8 شباط 1468 ودفن في قنوبين، وخلفه البطريرك يوسف بطرس بن يعقوب الشهير بابن حسان (من الحدث أيضاً والثاني باسم يوسف) وسكن أيضاً في قنوبين، وفي عهده ذاق الموارنة الذل ألواناً من قبل المماليك ما دفع البطريرك إلى بيع حتى أواني الكنائس لتسديد الضرائب عن الفقراء الموارنة، وبعد وفاته سنة 1492، انتخب البطريرك سمعان بطرس بن داود بن يوسف بن حسان (السادس بهذا الاسم) وسكن قنوبين، وفي عهده أرسل البابا لاون العاشر قاصداً رسولياً على الطائفة المارونية سنة 1515 فتجول في جبال الموارنة وعاد إلى روما رافعاً تقريراً عن أوضاعهم، وبعد أن إطلع عليه البابا وسرّ به، أرسل إلى البطريرك الماروني رسالة أعرب فيها عن فرحه ومما جاء فيها: "…. أشكره تعالى الذي بعظم رحمته شاء أن تكون أمة الموارنة وسط أهل الكفر والبدع مصونة كالورد بين الأشواك، وذلك لمجد إسمه وارتداد غير المؤمنين إلى الإيمان، ….".

توفي البطريرك سمعان السادس في 27 تشرين الثاني 1524 وله من العمر 120 سنة ودفن في قنوبين، وخلفه البطريرك موسى بطرس بن سعاده العكاري وهو من بلدة الباردة في عكار.

حاول البطريرك موسى العكاري طلب مساعدة الأوروبيين لنيل الاستقلال، فوجه رسالة إلى الأمبراطور شارلكان مؤرخة في 25 آذار 1527 مما جاء فيها: " … منذ أربع سنوات ونحن نترجى جلالتكم كي تهتموا بمساعدتنا على نيل استقلالنا وعندنا 50 ألف مقاتل من الرماة مدربون أحسن تدريب وعلى أتم الاستعداد لخدمتكم في الحرب الاستقلالية، …. ".

لم يصل البطريرك الماروني إلى مبتغاه، فحاول الاتصال بالسلطان العثماني الذين كان سيطر على الشرق قبل سنوات قليلة، فأوفد إليه سنة 1550 الأب طانيوس الحصروني الذي التقى السلطان سليم الثاني في مدينة حلب وشرح له حال الموارنة في جبل لبنان وما كانوا يتعرضون له من ظلم على أيدي المماليك طالباً رفع الظلم عنهم والمحافظة على استقلالهم الداخلي، فكان له ما أراد وحمّله السلطان العثماني "خطاً همايونياً" إلى قاضي طرابلس يأمره بعدم التعرض للموارنة.

عاش البطريرك موسى العكاري في قنوبين ومات في 19 آذار 1567 ودفن هناك، وخلفه البطريرك مخايل بن يوحنا الرزي (الأول بهذا الإسم) المنتخب في 31 آذار 1567 وهو من قرية بقوفا قرب إهدن، وكان حبيساً في محبسة مار بيشاي في وادي قزحيا، وبعد وفاته في 21 أيلول 1581 خلفه شقيقه سركيس الذي كان خلفه أيضاً في المحبسة، وفي عهد هذا البطريرك أنشأت المدرسة المارونية في روما سنة 1584 التي تعتبر فخر إنجازات الطائفة المارونية، ولمع نجم الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، وجاء الأب جيروم دنديني سنة 1596 لزيارة الطائفة المارونية وتفقد أحوالها، وشارك في مجمع قنوبين الذي عقد آواخر ذلك العام.

قضى الأب دنديني نحو ثلاث سنوات في جبل لبنان، جال خلالها في العديد من المناطق التي يسكنها الموارنة ودوّن مشاهداته فوصف وصفاً دقيقاً المجتمع الماروني: روحياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً وعمرانياً، ولاحقاً أصبحت تلك المدونات من أهم المراجع التي يستند إليها لوصف الحياة في جبل لبنان ذلك الوقت.

بعد وفاة البطريرك سركيس الرزي سنة 1597، انتخب ابن شقيقه البطريرك يوسف ابن موسى الرزي وهو الثالث بهذا الإسم، بحضور الأب دنديني وهو من أمر باتباع التقويم الغريغوري في الطائفة المارونية خلال المجمع الذي عقده في السنة التالية لانتخابه، وسكن ومات ودفن في قنوبين في آذار 1608.

بحسب الدويهي على أثر وفاة البطريرك لم يتم انتخاب خلف له "بسبب جور الحكام" حتى 16 تشرين الثاني 1608، فانتخب في قنوبين البطريرك يوحنا بن مخلوف الاهدني (الحادي عشر بهذا الاسم) وأقام هناك وفي عهده بني سنة 1624 أول معهد إكليريكي في الطائفة المارونية في دير سيدة حوقا (قرب إهدن) وبسبب مضايقة حاكم البلاد الكرسي البطريركي انتقل إلى بلدة مجدل المعوش في الشوف حيث بنى كنيسة وداراً، وزار الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، الذي كان صديقه ومن ثم عاد إلى قنوبين حيث توفي في 15 كانون الأول 1633 ودفن في قنوبين.
خلف البطريرك مخلوف البطريرك جرجس عميره الإهدني المنتخب في قنوبين في 27 كانون الأول 1633 وهو تلميذ المدرسة المارونية في روما ومؤلف "غراماطيق سرياني – لاتيني". وتوفي في 29 تموز 1644 ودفن في قنوبين، وخلفه البطريرك يوسف بن حليب من العاقورة المعروف بيوسف العاقوري، المنتخب في 15 آب 1644 وتنقل في إقامته ما بين قنوبين ودير مار يوحنا حراش في كسروان الذي بناه وعقد فيه مجمعاً كما أقام لفترة في دير مرت موره في إهدن، حيث عقد مجمعاً آخر، وتوفي في 3 تشرين الثاني 1648 في العاقورة ودفن في كنيستها.

بحسب الدويهي: "خلال حكم المعنيين تنفس الموارنة الصعداء: بنوا الكنائس وركبوا الخيل بسروج ولفوا شاشات وكرور ولبسوا الزنانير، وقدم المرسلون من بلاد الفرنج وأخذوا السكنى في جبل لبنان لكون غالب عسكره كانوا نصارى، وكواخيه وخدمه موارنة. وطلب فخر الدين مساعدة البطريرك مخلوف والبطريرك عميرة لنيل إستقلال البلاد فساعداه على عقد المعاهدات بينه وبين توسكانا وبعض الدول الأوروبية من خلال قداسة الحبر الأعظم، ووضعا تحت تصرفه نخبة من الأساقفة والعلماء الموارنة لمساعدته كالمطران جرجس مارون الاهدني والمطران سركيس الجمري الاهدني والعلامة ابراهيم الحقلاني وغيرهم، وبعد استلام الأمير ملحم ابن اخت الأمير فخر الدين الحكم طلب مساعدة البطريرك مخلوف للاعتراف به من قبل الباب العالي فكتب البطريرك الماروني إلى قداسة الحبر الأعظم مبيناً فضل المعنيين على الموارنة طالباً منه التدخل لدى حكام أوروبا لاستعمال نفوذهم لدى الباب الحالي لتثبيت الحكم المعني فكان له ما أراد".
بعد البطريرك يوسف العاقوري انتخب في قنوبين البطريرك يوحنا البواب من بلدة الصفرا عند ساحل فتوح كسروان وسكن وتوفي في 23 كانون الأول 1656 ودفن في قنوبين. وخلفه البطريرك جرجس ابن الحاج رزق الله (الثاني بهذا الاسم) وهو من بلدة بسبعل في منطقة الزاوية وتنقل في إقامته ما بين قنوبين ودير مار شليطا مقبس في غوسطا في فتوح كسروان حيث توفي هناك في 13 نيسان 1670 بداء الطاعون ودفن في غوسطا.

بعد البطريرك البسبعلي انتخب البطريرك القديس إسطفان الدويهي الكبير وهو فخر الطائفة المارونية ومن أعظم بطاركتها واليه يعود الفضل الأول في حفظ تاريخها.

خريج المدرسة المارونية، انتخب في قنوبين في 20 أيار 1670 وسكن معظم سني بطريركيته في الوادي المقدس، لكنه أقام بضع سنوات في دير مار شليطا مقبس، حيث رمم الكنيسة وشيد داراً لإقامته، وسكن بعض الوقت في مجدل المعوش في منطقة الشوف، وطاف وهو بطريرك على كل الأبرشيات وزار معظم الرعايا وفحص الكتب البيعية ودوّن ما وصل إليه فحفظ تاريخ الكنيسة المارونية، وتوفي برائحة القداسة في 3 أيار 1704 في قنوبين ودفن هناك.

خلف البطريرك الدويهي البطريرك جبرائيل البلوزاني (من بلوزا في منطقة بشري) المنتخب في 1 آب 1704 وأقام في قنوبين حيث توفي في 31 تشرين الأول 1705 ودفن هناك. ليخلفه البطريرك يعقوب ابن الخوري يوحنا عواد من حصرون في جبة بشري تلميذ المدرسة المارونية. وتنقل في إقامته ما بين قنوبين ودير قزحيا ودير مار شليطا مقبس في غوسطا حيث توفي في 19 شباط 1733 ودفن هناك. ليخلفه البطريرك يوسف ضرغام الخازن من غوسطا الذي أقام في قنوبين، وفي عهده إلتأم المجمع اللبناني في دير سيدة اللويزة سنة 1736 وتوفي في دير ريفون في 13 أيار 1742 ودفن في كنيسة مار الياس في غوسطا.
البطريرك سمعان عواد الحصروني (من حصرون في جبة بشري) انتخب خلفاً للبطريرك الخازن في دير عين ورقة في كسروان وتنقل في حبريته ما بين قنوبين ودير سيدة مشموشة في منطقة جزين حيث توفي في 12 شباط 1756 ودفن هناك، ليخلفه البطريرك طوبيا الخازن من بقعاتة كنعان في كسروان الذي انتخب في 28 شباط 1756 في كنيسة مار يوسف في عينطورة في كسروان، وأقام معظم سني حبريته في عجلتون في كسروان. وفي مطلع عهده قرر الأساقفة المجتمعون برئاسته في دير مار أنطونيوس – بقعاتة إضافة عبارة وسائر المشرق إلى لقب البطريرك الماروني القديم "بطريرك إنطاكيا"، وتوفي في 19 أيار 1766 ودفن في كنيسة السيدة الخاصة بعائلة بيت الخازن في عجلتون.

في 9 حزيران 1766 انتخب في دير مار شليطا مقبس في كسروان البطريرك يوسف اسطفان (السادس بهذا الاسم) من غوسطا تلميذ المدرسة المارونية، وأقام أكثر الأحيان في دير مار يوسف الحصن في غوسطا، حيث توفي في 22 نيسان 1793 ودفن فيه.

البطريرك مخايل فاضل (الثاني بهذا الاسم) من بيروت انتخب في 20 أيلول 1793 وتأخر انتخابه بسبب تفشي مرض الطاعون "الذي أهلك الكثير من الخلق"، وعاش في دير مار يوحنا حراش في كسروان ومات ودفن فيه في 17 أيار 1795 ولم يكن حصل بعد على درع التثبيت من روما الذي وصل مع موفده الخوري جرجس غانم في 27 حزيران 1795.

في 13 حزيران 1795 انتخب في دير سيدة بكركي البطريرك فيليبس الجميل من بكفيا، وهو أول بطريرك ماروني يقيم في بكركي وتوفي بداء الفالج في عجلتون في 12 نيسان 1796 قبل أن يصله درع التثبيت ودفن في بكركي، ليخلفه في 18 نيسان البطريرك يوسف التيان من بيروت (السابع بهذا الاسم) تلميذ المدرسة المارونية المنتخب في دير بكركي وأقام معظم سني حبريته في قنوبين، وأحياناً في دير مار شليطا مقبس، وفي 10 أيار 1809 تنازل عن الكرسي البطريركي زهداً وقضى بقية حياته متنسكاً في قنوبين حيث توفي في 20 شباط 1820 ودفن هناك.
لم تكن إستقالة البطريرك التيان فقط بسبب الزهد، بل نتيجة مؤامرة حاكها ضده الأمير بشير الشهابي والقاصد الرسولي في لبنان المونسنيور لويس غاندلفي صديق الأمير، وفي التفاصيل أن البطريرك الماروني رفض سياسة الظلم والقهر والإستبداد ورفع الضرائب على الفقراء التي يتبعها الأمير الشهابي، وإرتفع صوته مندداً بما يجري، حتى هدد الأمير بشير بالحرم الكنسي الكبير إن لم يخفف ظلمه. فما كان من الأمير إلا أن طلب معاونة صديقه القاصد الرسولي الذي رفع التقارير إلى الكرسي الرسولي ضد البطريرك، حتى إضطر البطريرك التيان إلى الاستقالة، ليخلفه في 8 حزيران 1809 البطريرك يوحنا الحلو (الثالث عشر بهذا الاسم) المنتخب في دير مار يوسف عينطوره في كسروان بحضور القاصد الرسولي المونسنيور لويس غندفلي، وأعاد هذا البطريرك ترميم دير سيدة قنوبين، وأقام فيه معظم حبريته حتى وفاته في 12 أيار 1823 ودفن هناك، ليخلفه في 25 أيار البطريرك يوسف حبيش (الثامن بهذا الاسم) وهو من ساحل علما في كسروان المنتخب في كنيسة سيدة قنوبين، وأقام في دير بكركي شتاءً، وبنى مقراً بطريركياً في الديمان في جبة بشري وأقام فيه صيفاً وكان أول بطريرك شرقي يهديه الباب العالي في إسطنبول "النيشان العثماني المرصع" فقبله بتحفظ ووضعه في صندوق ولم يزين به صدره يوماً.

حارب الحكم المصري والمظالم التي ارتكبها، وفي عهده أنشأ نظام القائمقاميتين الذي رفضه مطالباً بإبقاء جبل لبنان موحداً. توفي في الديمان في 23 أيار 1845 ودفن في كنيسة قنوبين.
إعتباراً من ولاية البطريرك حبيش أصبح دير سيدة بكركي الصرح البطريركي الماروني الثابت، الذي سكنه لاحقاً جميع البطاركة الموارنة.

البطريرك يوسف راجي الخازن (التاسع بهذا الإسم) الذي تأجل إنتخابه إلى 15 آب 1845 بسبب الأحداث التي شهدها جبل لبنان ربيع وصيف ذلك العام انتخب في دير سيدة ميفوق وأقام في بكركي والديمان وتوفي في 3 تشرين الثاني 1854 ودفن في قنوبين.

البطريرك بولس مسعد، الكاتب والمؤرخ تلميذ المدرسة المارونية وهو من عشقوت في كسروان انتخب في 12 تشرين الثاني 1854 وأقام في بكركي والديمان، وفي عهده جرت ثورة الفلاحين في كسروان سنة 1858 المعروفة بثورة طانيوس شاهين، وحوادث 1860 وإقرار نظام المتصرفية وثورة يوسف بك كرم، وتوفي في 18 نيسان 1890 ودفن في كنيسة مار بطرس وبولس في بلدته عشقوت. ليخلفه في 28 نيسان البطريرك يوحنا الخوري يعقوب الحاج (الرابع عشر بهذا الاسم) من دلبتا في كسروان وهو الذي بنى دير بكركي في حلته الحاضرة وكان بوشر بناؤه زمن البطريرك حبيش وأقام فيه معظم أيام السنة، وصيفاً في الديمان، وفي عهده تجددت المدرسة المارونية في روما سنة 1891 وتوفي في بكركي في 24 كانون الأول 1898 .

في 6 كانون الثاني 1899 انتخب في بكركي البطريرك الياس الخوري بطرس الحويك من حلتا في قضاء البترون تلميذ المدرسة المارونية. أقام في بكركي وشيد المقر البطريركي في الديمان في حلته الحاضرة فأصبح المقر البطريركي الرسمي صيفاً وصرح بكركي المقر الشتوي.

من يوم انتخابه وضع إستقلال لبنان هدفه الأول، فكانت كلمته الأولى بعد تسلمه عصا الرعاية التي أصبحت مضرب مثل: " …. سأبذل جهدي وراحتي بل وحياتي في سبيل شعبي وكنيستي، …. ".

مؤسس راهبات العائلة المقدسة المارونيات، إضطهده جمال باشا السفاح حاكم لبنان العثماني خلال الحرب العالمية الأولى وكاد أن ينفيه.

ترأس سنة 1919 أول وفد لبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس وإليه يعود الفضل بتوسيع حدود لبنان الحالية.

توفي في بكركي في 24 كانون الأول 1931 ونقل جثمانه لاحقاً إلى كنيسة دير راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأم في بلدة عبرين في منطقة البترون.

البطريرك انطوان عريضه من بشري انتخب في 8 كانون الثاني 1932 في بكركي وأكمل بناء صرح الديمان، وفتح مدرسة مار مارون الاكليريكية في غزير، وأقام في بكركي والديمان وتوفي نهار خميس الصعود في 19 أيار 1955 ودفن في كنيسة الديمان.

في 25 أيار 1955 عين البابا بيوس الثاني عشر البطريرك بولس المعوشي من جزين، وكان يشغل قبل تعينه منصب رئيس اللجنة الرسولية، وهو أول بطريرك ماروني يصبح كاردينالاً سنة 1965 وفي عهده رفع الأب شربل مخلوف إلى مرتبة الطوباويين، وأقام في بكركي والديمان وتوفي في 11 كانون الثاني1975 ودفن في كنيسة بكركي.

البطريرك أنطونيوس خريش (الثاني بهذا الإسم) من بلدة عين إبل في قضاء بنت جبيل في أقصى الجنوب على حدود فلسطين، انتخب في بكركي في 3 شباط 1975 قبل أشهر من إندلاع الحرب اللبنانية، وهو ثاني بطريرك ماروني يصبح كاردينالاً، وشهدت حبريته ويلات الحرب اللبنانية وما رافقها من مآسي طالت الشعب المسيحي، كما رفع خلالها الطوباوي شربل مخلوف سنة 1977 إلى مرتبة القديسين وأعلنت الراهبة رفقا الريس طوباوية سنة 1985.

أقام في بكركي والديمان صيفاً، وإن توقف بعض سنوات الحرب عن الصعود إلى الديمان. قدم إستقالته في 27 تشرين الثاني 1985 فبادر الكرسي الرسولي إلى تعيين راعي أبرشية صيدا ودير القمر المارونية المطران ابراهيم الحلو مدبراً رسولياً للكنيسة المارونية، ما دفع معظم المطارنة لرفع كتاب إلى حاضرة الفاتيكان يعلنون فيه عدم تحبيذهم فكرة تعيين بطريرك لأنه يحق للطائفة المارونية أن تختار البطريرك بنفسها، وكانت تجربة البطريرك المعوشي ما تزال ماثلة، فكان لهم ما أرادوا.

بعد إستقالته عاش البطريرك خريش في دير بكركي وتوفي فيه في 19 آب 1994 ودفن في مدافن البطاركة في صرح بكركي.

في 19 نيسان 1986 انتخب مجمع الأساقفة الموارنة المنعقد في بكركي البطريرك الحالي مار نصر الله بطرس صفير وهو من ريفون في قضاء كسروان، وثالث بطريرك ماروني يصبح كاردينالاً.

تسلم عصا الرعاية المارونية والحرب في أوج استعارها والضربات تتوالى على شعبه، فاستطاع قيادة طائفته ووطنه في أقسى الظروف، وفي مرحلة تسعينيات القرن المنصرم بقي صوته الأعلى والأصلب مطالباً بحرية وسيادة واستقلال لبنان.

في عهده أعلنت الطوباوية رفقا قديسة سنة 2001، والأب نعمة الله الحرديني طوباويا سنة 1998 ومن ثم قديساً سنة 2004، والأب يعقوب الكبوشي طوباوياً سنة 2008 والأخ إسطفان نعمه طوباوياً سنة 2010. وفي أيار 1997 زار قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني لبنان.

أواخر العام 2010 قدم إستقالته إلى حاضرة الفاتيكان بسبب تقدمه في السن وينتظر الجواب، وهو ما زال يحمل لواء قيادة طائفته ووطنه إلى بر الخلاص، أطال الله بعمره وسدد خطاه.

في المحصلة تنقل البطاركة الموارنة في خمسة مقار رئيسة هي:
1- دير مار مارون في بلدة كفرحي في وسط منطقة البترون الذي أصبح يعرف لاحقاً بدير مار يوحنا مارون وسكن فيه أول ثلاث بطاركة طوال نحو 60 سنة.
2- دير سيدة يانوح في جرود منطقة جبيل سكن فيه طوال 370 سنة 21 بطريركاً.
3- دير سيدة إيليج في ميفوق في أعلى بلاد جبيل، أقام فيه 20 بطريركاً طوال 320 سنة.
4- دير سيدة وادي قنوبين في جبة بشري سكن فيه 23 بطريركاً طوال 383 سنة.
5- دير سيدة بكركي في منطقة كسروان، أصبح منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر المقر البطريركي الماروني وأقام فيه حتى اليوم تسعة بطاركة.
سيبقى تاريخ الكنيسة المارونية تاريخ كنيسة وشعب في آن واحد، وإستمراراً لمسيرة انطلقت في القرن السابع، وكانت بذورها نمت إعتباراً من القرن الخامس مع مؤسسها ورهبانه، وفي جميع العصور لم تقتصر مهمة الكنيسة المارونية بقيادة بطاركتها على تدبير الشؤون الروحية والكهنوتية كما شأن باقي الكنائس، بل كان لها في الوقت ذاته قيادة وطنية تفرض عليها الاهتمام بشتى الأمور الزمنية لما فيه خير شعبها. وشكّل الصرح البطريركي الذي تنقل ما بين كفرحي ويانوح وايليج وقنوبين وبكركي على مر السنين مرجعية قد تكون الأهم في الشرق قاطبة، وحتماًَ يلي مباشرة أهمية الكرسي الرسولي في حاضرة الفاتيكان.
فالبطريركية المارونية مؤسسة لها تاريخها وعراقتها وقيمها وخطها الأصيل الذي لا يتغير ولا يتبدل، ومعروف أن البطريرك الماروني هو لجميع أبنائه، ويتخذ المواقف التي تحمي الكنيسة وتحصن الوطن. إنه نهج جامع وحيادي أعطى البطريركية المارونية بعداً وطنياً وجعلها رمزاً يُشعر الجميع بأن الصرح البطريركي هو بيته.

والبطريركية المارونية بنيت على قواعد دينية – روحية وليس على معطيات سياسية – دنيوية، وهي إزدهرت ببطاركتها أصحاب العلم والمعرفة والفكر والقداسة.

هذا هو الأصل الذي تتمسك به البطريركية المارونية وتعتمد عليه وتواجه العواصف راسخة من دون جزع أو ترجّح، ولعل كل ذلك يفسر لماذا يعود الموارنة وباقي الطوائف المسيحية والاسلامية في أزمنة المحن إلى البطريرك الماروني لإيجاد حلول لأزماتهم الكيانية، كما يعودون في الظروف العادية للاستئناس بآراء البطريرك الماروني وحكمته وتطلعاته الوطنية والدينية. والمغتربون الموارنة ما زالوا يراجعون البطريركية المارونية حتى في الأمور البسيطة.

ولا يخفى على أحد أنه لولا البطريركية المارونية لما كانت النهضة اللبنانية الروحية والثقافية والعلمية والعمرانية، ولما كان استقلال جبل لبنان الذاتي طوال سنوات طويلة، ولا كان لبنان الكبير بحدوده الحالية، وحتى في زمن الوصاية السورية الأخيرة فمن المؤكد أنه لولا الدور الذي لعبته البطريركية المارونية لما تحقق استقلال لبنان الثاني.

باختصار، يمكننا التأكيد أيضاً أنه لولا البطريركية المارونية المتحصنة في جبل لبنان لما بقي مسيحي في الشرق من نساطرة إيران إلى مسيحي جنوب السودان.

يروي الدكتور فؤاد إفرام البستاني أنه خلال مشاركته منتصف ستينيات القرن المنصرم في إحتفالات مرور ألف عام على ولادة الطبيب ابن سينا التي أقيمت في طهران، إلتقى "بكاثيلوكوس الطائفة المسيحية النسطورية السريانية الشرقية" التي ينتشر أتباعها في شمال العراق وكردستان وبعض مناطق إيران، وسأله عن أوضاعهم فرد البطريرك النسطوري السرياني، الذي لم يكن زار يوماً لبنان: "قوتنا من قوة بكركي، فطالما بكركي قوية فنحن أقوياء، وعندما تضعف نضعف نحن".
هذا كان وسيبقى دور البطريركية المارونية، وعلى هذا النهج تتابع مسيرتها الخالدة. ألا سدد الله خطى بطريركنا العظيم مار نصر الله بطرس صفير الكلي الطوبى ومجلس الأساقفة لما فيه خدمة شعبنا الماروني واللبناني والمسيحي في الشرق وعزة واستقلال وسيادة وحرية وطننا لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل