#dfp #adsense

ذات النهج الراديكالي ؟

حجم الخط

مع اقتراب الرئيس المكلف نجيب ميقاتي من تشكيل حكومته الموصوفة بذات "اللون الواحد"، تتسم التفسيرات المتسرعة لهذا اللون بالكثير من الارتجال الاستباقي، سواء انطلقت من نزعة الاستقواء بالانقلاب الحاصل لدى 8 آذار او من مرارة الخسارة لدى 14 آذار.

بطبيعة الحال ثمة "لون واحد" يعود الى لبنان للامساك بالسلطة، في تطور من شأنه ان يستكمل ما بدأ مع اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وانضمام 11 نائباً من الاكثرية السابقة الى قوى 8 آذار في تسمية الرئيس ميقاتي. هذا التطور بدا حتى انفجار الثورة المصرية بمثابة تتويج لأزمة المحكمة الدولية في لبنان، اي انه كان مندرجا بالكامل ضمن خصوصية لبنانية ولو بامتدادات خارجية. لكنه بعد انفجار الحدث المصري أُلحق في سياق الانهيارات العربية التي لا شك في انها تضخ ما يسمى "محور الممانعة" بمزيد من القوة والتوظيف والافادة. بذلك لن يكون ممكنا لأي قوة داخلية بعد الآن ان تجيّر عملية تكوين اكثرية جديدة في لبنان لمصلحة قدرتها الداخلية الصرفة، وهو خطأ تكتيكي واستراتيجي وقع فيه عدد من اقطاب 8 آذار مهمشين ضمناً حجم قدرتهم الذاتية او "مونة" بعضهم على استجرار العنوان الاقليمي لفعل داخلي، بمعنى ان الخارج حرك الداخل وليس العكس. وفي المقابل لم يوفر اقطاب من 14 آذار مزيدا من الاخطاء التكتيكية والاستراتيجية ايضا في التوغل بعيداً في "شاعرية" سياسية تجاهلت نومهم على حرير اكثرية ظنوا انها عاصية على الاختراق، فاذا بها تذوي بفعل دُبِّر بليل وما كان له ان ينجح لولا اعتمال مديد في صفوفها.

واقع الحال ان "اللون الواحد" الطالع لن يشبه بكل تفاصيله ذلك اللون الذي تناسل منه ابان حقبة الوصاية السورية الآحادية على لبنان، وإن كان العنوان الاقليمي يعيد بعضاً من العتيق الى الجديد. هذه المرة ثمة شريك كبير آخر اساسي في "الاقلمة" الحاصلة تتمتع به ايران الى جانب سوريا، ثم ان هناك افرقاء داخليين لن تسمح اجنداتهم وخصوصياتهم بالذوبان ذوباناً كاملاً ضمن هذا اللون ولو انزلقوا الى ضفة اخرى. ومع ان وقت الحسابات الباردة لا يزال مبكراً في انتظار انكشاف المشهد الحكومي والسلطوي الجديد بالكامل، فإن الفترة الفاصلة بين اسقاط حكومة الحريري وتأليف حكومة ميقاتي، على قصرها، بدأت تبرز خصوصيات يتعين معها التروي في الحكم على طبيعة "اللون الواحد" الآتي.

فما ينبغي التوقف عنده كعلاقة انتقال من عصر من الى عصر هو نجاح القوى "الراديكالية" في 8 آذار في اقصاء 14 آذار من دون رفة جفن. معنى ذلك ان "الانقلاب الدستوري" لا يزال زاحفاً على نحو تصعيدي في معزل عن "القوة المعتدلة" في هذا اللون. بذلك سيكون السؤال الكبير المطروح مع تشكيل الحكومة هو: هل سيبقى في قدرة الرئيس ميقاتي ورئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط اعادة ضخ الحياة في "كتلة وسطية" معتدلة أمام الجنوح العلني الظاهر لقوى 8 آذار الى تحكيم سياسات آحادية حادة يترجمها خطاب العماد ميشال عون بأقصى الوضوح مما يعني انه يحظى بدعم لا تحفظ عنه من "حزب الله"؟

ذلك ان هذا الجنوح بما يثيره من تداعيات وحتى من مخاوف، لدى خصوم وحلفاء على السواء، يبدو الاقرب الى الشفافية والصدق من الخطاب الآخر الذي يلهث وراء تدوير الزوايا. وبمعنى اوضح فإن "اللون الواحد" ذاهب فعلاً الى محاكمة لون 14 آذار من دون اي هوادة او تجميل، كما لو ان انقلاب 25 كانون الثاني كان "ثورة" او باللغة الديموقراطية المخففة "انتخابات انقلابية" بالواسطة. فبعد انتخابات 2009 ارتضت 14 آذار المنتصرة بـ71 نائباً اشراك 8 آذار في حكومة كان لها فيها ثلث معطل، الامر الذي قابلته 8 آذار بما يعاكسه الآن. وهنا بيت القصيد في استشراف "النهج الواحد" الطالع في الحكومة والسلطة الذي وإن نجحت ولادته بقوة مقضية مقرونة بأخطاء الخصم وانقلاب ميزان القوى داخلياً وخارجياً. سيعاني طويلاً من مشروعية ميثاقية في بلد لا يؤمن جانبه مع التجارب الجوّالة للنزعات الآحادية، اذ ان نهجاً كهذا سيقضي على حلفائه ايضا الى جانب خصومه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل