#dfp #adsense

الجحود

حجم الخط

"بين أهل الجحود والتكذيب
كل أمر من الأمور عجيب
كثر الإفتراء منهم جهارا
ولهم فيه غاية التشبيب"
عبد الغني النابلسي
 
في مؤتمر إنماء طرابلس الذي عقد في السرايا الحكومية سنة 2002، وشارك فيه نواب المدينة ووزراؤها اضافة الى عدد من الفاعليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية طرحت مسألة إنماء باب التبانة وحاجاتها الملحّة، وطرح على الرئيس الحريري المساهمة الشخصية في مشروع انمائي كبير فيها، فكان انه رد بالاستعداد للمساهمة ولكن على المتمولين الطرابلسيين، ومنهم وزراء ونواب، المساهمة أيضاً.

وطبعاً فقد مرت هذه الملاحظة مرور الكرام، ولم يعلّق عليها يومها المتمولان اللذان كانا موجودين في المؤتمر.

لم يعد خافياً على أحد اليوم، على انه في زمن تبدل السلطات، تأتي مجموعة من الأقلام المستأجرة لتلقي بمسؤولية الماضي البغيض على السلطة الراحلة، وتضع الآمال والأحلام الوردية في عهدة السلطة القادمة، مع العلم أن هذه الأقلام نفسها كانت في خدمة الدعاية لعهد السلطة الراحلة.

ما لنا وكل ذلك، فإن الوفاء لا يبدو من الطبائع الانسانية السائدة، ولو كان كذلك لما تغنى به الشعراء كتحفة نادرة، ويبدو ان الجحود أحد الطبائع السائدة لدى الكثيرين من أصحاب الأقلام التي تنقلب مع العهود.

بالتأكيد انه لم يعد خافياً على أحد في لبنان حجم الصعوبات والمشكلات الاجتماعية التي تعانيها طرابلس على الصعد كافة، فنسب الفقر والبطالة والأمية والتسرب المدرسي والإدمان، (المعروف محلياً بالـ"تحبحب" لاستعمال حبوب "بنزكسول" الشائعة والرخيصة الثمن) أصبحت ذات حجم كارثي، ولكن محاولة الايحاء بأن هذا الوضع أتى نتيجة لإهمال الحكومات التي تعاقبت منذ سنة 2005، أو الغمز من قناة مسؤولية الرئيس الشهيد عن هذا الاهمال، فهي قضية تدخل في محاولات التشويه المشبوهة التي تحاول جاهدة القضاء على ذكرى رفيق الحريري وبتر المسار السياسي الذي يقوده ابنه سعد الحريري من خلال "تيار المستقبل". والواقع ان هذا المسعى هو جزء من عملية مبرمجة محلياً واقليمياً للاغتيال السياسي لتيار رفيق الحريري بعد النجاح في اغتياله جسدياً.

ان واقع طرابلس لم يكن نتاجاً لما حدث في العقدين الماضيين، بل كان محصلة ما تراكم من ظروف على مدى عقود عدة كانت أهمها تداعيات ونتائج الحرب الأهلية وحكم حركة التوحيد المؤقت، ولكن الأهم كان محاولة العزل المقصودة التي مارستها سلطات الوصاية على المدينة على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتركها بؤرة للتوتر من خلال المحافظة على العداوة بين بعل محسن وباب التبانة، لا بل زيادة العداوة من خلال ممارسات دموية كان أبرزها ما حدث سنة 1986 من مجزرة موصوفة. لقد لفح هذا الواقع طرابلس بوشاح قاتم، وجعلها مدينة منفّرة للمحيط القريب والبعيد، وأفقدها بشكل حاسم دورها كعاصمة ثانية، أو حتى كمدينة مركزية اقليمياً، بعد أن وجد المحيط المباشر بدائل عنها، أو اكتفاء ذاتياً أصبح بمتناول الجميع مع سهولة الاتصالات والمواصلات.

والجدير ذكره هنا، هو عجز الرأسمال الطرابلسي عن القيام بمبادرات خلاقة، واستنكاف أصحاب الثروات الكبرى أمثال الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي عن القيام بمبادرات ذات معنى من استثمارات اقتصادية، بقيت مساهماتهما في المجالات الريعية والموسمية خاصة لدى اقتراب المواسم الانتخابية، ولم يسمع بمساهمتهما في أي وقت من الأوقات في ايجاد فرص عمل ذات شأن محلياً.

لا يعني هذا بالتأكيد إلقاء مسؤولية التردي الاقتصادي الطرابلسي على المليارديرين الطرابلسيين، فإن قضية الانماء لا تعتمد أساساً على مجهود أشخاص مهما بلغوا من ثروة، بل هي عملية تعتمد على خلق البيئة المناسبة للانماء، تساهم فيها الدولة من جهة والمجتمع المدني والاقتصادي من جهة أخرى. لذلك يجب التذكير بأن الملياردرين الكريمين كانا جزءاً من الحكم على مدى السنوات الماضية ومن خلال وزارة حساسة، هي النقل والأشغال العامة، ولم يلحظ أبناء المدينة أي انجاز حقيقي لهما مجتمعين أثناء وجودهما في هذه الوزارة، فلا المعرض فعّل ولا المرفأ شغّل ولم يحدث أن تقدم على مستوى مطار رينيه معوض. ويجب في هذا المجال عدم اتهام الرجلين "بالاستخفاف" بحقوق المدينة لأن الواقع السياسي والأمني معروف، والتوازنات القائمة واستمرار واقع عدم الاستقرار جعل من الأولويات في الدولة في غير مجالات الانماء نظراً لتوالي الكوارث وتتابعها، مما جعل الدولة في وضع اللاهث دائماً وراء تدارك تداعياتها من "حرب 2006" الى "فتح الاسلام" الى السابع من أيار الى حرب بعل محسن وباب التبانة.

ولكن في الوقت نفسه، يجب ألا يدفعنا الجحود الى اغفال ونسيان ما قام به الرئيس الشهيد وتياره السياسي والرئيس سعد الحريري لطرابلس بالذات على مدى ثلاثين سنة. فمساعدات الحريري الجامعية منحت لأكثر من 2500 من شباب طرابلس، يعني 2500 فرصة عمل مميزة ومن ضمنهم أبناء دعاة الجحود بهذه التقديمات. كما ان المساعدات المباشرة من حصص ومساعدات صحية ومدرسية استمرت على مدى العقود الثلاثة الماضية. ومن الناحية الانمائية فإن أربع مدارس رسمية يجري بناؤها اليوم من نفقة الرئيس سعد الحريري. أما من ناحية الوضع في باب التبانة فقد قام الرئيس سعد الحريري وحده بتعويض المتضررين من الأحداث الأخيرة بأكثر من سبعة ملايين دولار بعد أن ساهم بتثبيت المصالحات، في حين أن المليارديرين بقيا خارج السمع، وتصرفا كالمتفرجين، من دون أن يعرضوا حتى المساهمة في هذه التقديمات التي لولاها لكان الوضع مأسوياً.

فليس صحيحاً إذن أن الرئيس الحريري وتياره تركوا أبناء المدينة في محنتهم، بل من تنكر لهم في الشدة هم من يدّعون اليوم أنهم أتوا لإنقاذهم.

هذا من ناحية الانماء، أما من الناحية السياسية، فلن تكفي كل مساحيق التجميل لإخفاء واقع واحد هو أن الرئيس ميقاتي أتى بعد استدعاء الأمين العام لـ"حزب الله" له لرئاسة الحكومة وتحت سلة من الشروط السياسية المذلة والتي لا تتناسب أبداً مع تطلعات أبناء مدينة طرابلس. كما أن تأكيد تصرفات وأحاديث قيادات 8 آذار ومن ضمنها ما قاله وئام وهاب بأنه منح الرئيس المكلف فرصة "شهرين قبل أن نقول له مع السلامة!"، تؤكد الدرك الخطير الذي أوصل به الرئيس ميقاتي سدة رئاسة الحكومة من خلال قبوله التكليف تحت رحمة وادارة "حزب الله".

ان هذا الواقع أعطى الفرصة لحسن نصرالله لكي يعلن وصايته الكاملة على مفاصل الدولة كافة، ومن ضمنها الرئاسات كلها، وهذا له تداعيات خطيرة وطنياً ومذهبياً نظراً لتأكيد "حزب الله" تبعيته الكاملة للولي الفقيه، مما يجعل الرئاسات والسياسة في لبنان والمكونات السكانية بطوائفها كافة ومذاهبها تحت وصاية الولي الفقيه وممثلة في لبنان.
لذلك فلا يكفي الجحود بما قام به الرئيس الحريري للتغطية على مشاركة الرئيس ميقاتي في دعم سلطة ولاية الفقيه في لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل