يجدر الاعتراف بأن العماد ميشال عون نجح في ركوب القطار السريع الذي قد يوصله الى تحقيق حلم الطفولة والشباب والكهولة، بالعودة الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية – بعد عمر طويل – او قبل ذلك، اذا استمر هذا القطار باندفاعته القوّية، ولم يتوقف للتخلي عن ركاب انتهت مدة صلاحيتهم، او بسبب عطل طارئ لم يتحسّب له قادة الانقلاب، الذين هم في الوقت ذاته قادة القطار، او بسبب بلبلة في التوجهات والاهداف حول الحصص والغنائم، ادّت الى ما تؤدي اليه الانقلابات دائماً، حيث يأكل الانقلاب ابناءه، واحداً بعد آخر.
فرحة العماد في هذه الايام، لا توازيها فرحة معدم، بربح جائزة اللوتو، أوفرحة مريض بشفائه من مرض عضال، او فرحة عاقر، تحمل بعد عسر، والعماد المنتشي بانتصاره، لا يخفي فرحته هذه التي ربحها بجهود حليفه حزب الله، ودعم دمشق، ومباركة ايران، وتنازلات بعض قيادات 14 آذار، خصوصاً ان العماد عون كان في انقلاب 8 آذار الاخير شريكاً مضارباً، ومساهمته لم تتجاوز رفع الصوت والنبرة، وكيل الاتهامات وتبرير خطاياه وخطايا حلفائه، ومع ذلك، ولان الدور المسند اليه لم ينته بعد، اعطي عون حق فرض شروط المنتصر على الخاسر، من باب الايحاء بانه هو الذي هزم اكثرية 14آذار، وابعد سعد الحريري عن الحكم، وقبر الديموقراطية التوافقية، وشطب من قاموس العمل السياسي كلمة شراكة، ووضع صيغة العيش المشترك على كف عفريت، واسقط قيادات سياسية وروحية، وكان واضحاً ولافتاً ان عون عندما تكلم عن سقوط قيادات روحية، انما كان يغمز من قناة البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير الذي قدّم استقالته طوعاً الى البابا بنديكتوس السادس عشر، وليس تحت ضغط الغوغائيين الذين ارسلوا في بداية التسعينات الى بكركي لاهانة البطريرك والاعتداء عليه واجباره على الاستقالة، وقد تعمّد عون ان يطلق موقفه الشامت هذا قبل ساعات من زحفه وعدد من المقرّبين اليه الى سوريا في زيارة استعراضية دعائية الى براد لمناسبة عيد مار مارون، ابي الطائفة المارونية ورمزها، ونسي هؤلاء ان ابناء مارون الذين هربوا بتعاليمه ورسالته الى لبنان هم الذين حافظوا عليها بتعبهم وعرقهم ودمائهم، وبفضل بطاركة قديسين وابطال امثال نصرالله صفير، اعطوا لهذه المساحة الصغيرة من الارض، مساحة كبيرة من الحرية والعنفوان ومواجهة القهر والظلم والتسلّط من اي جهة اتت، وسيعرف التاريخ حتماً في أي موقع سيذكر هؤلاء، وفي أي موقع سيذكر الآخرين.
***
قيادات 8 اذار التي تنفسّت الصعداء عندما اعلن الرئيس امين الجميل ان مشاوراته مع الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي لاستكشاف امكانية مشاركة قوى 14 اذار في حكومته المقبلة، وصلت الى الحائط المسدود، سارعت كعادتها دائماً الى قلب الحقائق، في محاولة للتعمية على الرأي العام، بقولها ان 14 آذار افشلت قيام حكومة انقاذ وطني، مع علم هذه القيادات ومعرفتها وتخطيطها، انها رفضت اعطاء 14 آذار الثلث الضامن، واي وزارة سيادية، او نصف سيادية، او اي وزارة خدماتية، كما اشترطت الا تعطي رأياً او موقفاً بالبيان الوزاري، وان تبصم عليه بالصيغة التي تضعها 8 آذار وتلزم بها الرئيس ميقاتي، والا يتم توزير كتلة القوات اللبنانية، او اي نائب او شخصية سيادية مثل بطرس حرب وميشال معوّض، او اي قيادي او عضو في تكتل 14 آذار يعتبر من الصقور، ولذلك فان المسؤولية تقع على 14 اذار لرفضها هذه المطالب والشروط التي «تراعي» صيغة العيش المشترك والديموقراطية التوافقية وحكومة الانقاذ الوطني.
حيال هذه المهزلة، وحيال هذا النوع من القيادات التي تعتقد انها اذكى من الناس، يتوجه اللبنانيون الى الرئيس المكلّف بداية، بصفته خط الدفاع الاول عن تشكيل حكومة تراعي هواجس جميع الاطراف وحقوقهم، والى رئيس البلاد العماد ميشال سليمان بصفته خط الدفاع الاخير عن الدستور الذي يرفض اي شرعية لاي صيغة تناقض صيغة العيش المشترك، مطالبين بالموقف الصحيح الذي لا بدّ ان يصحّ.