لمَا كانت حيل الشياطين كثيرة، توقع الناس في التجربة، هدفها توجيه الجماعة المؤمنة نحو الشطط، برزت الحاجة الى أعادة تفعيل الصداقة مع المسيح. هذا الجو انسحب على عصور المسيحية منذ نشأتها وحتى الساعة، والى أن تقوم الساعة. لذلك لم يكن منسوب الأطمئنان على السلامة راجحا، فعلى مدى القرون عانق المسيحيون الأستشهاد ليوقََعوا بدمهم معمودية أيمانهم وتمرَدهم. ومن رحم هذا التمرَد أنبلج فجر المارونية التي حطَت عينها على لبنان، فأقام معتنقوها معاقلهم في رؤوس جباله، طمعا في تنشَق أكبر كميَة من نسائم الحريَة، عاصين على الظلم والأستكانة، مطمئنَين الى أنَهم أذا رفعوا أيديهم الى السماء، فباستطاعتهم أن يطالوا يد الله.
لم يكن الموارنة يوما قلقين، فهم أستهزأوا بالشياطين مهما أختلفت الأشكال، لأنَهم كانوا يولون الأهميَة القصوى للترنيم الجوقي أي الصوت الجماعي الواحد، من دون ارتكاب خطيئة "الفردية" المودية الى أعدامهم. فتربيتهم قائمة على الكنيسة واحدة، وعلى أن لا سيد إلا يسوع المسيح، وعلى أنَ الكرامة المستوحاة من سيرة القدَيسين هي رائدهم وعشاؤهم السرَي. من هنا، تميَزوا عن سائر الشرائح التي عايشتهم، وشكَلوا نمطا أعاد الأعتبار الى قدسيَة الكائن والى روح الديانة ومفهوم الأيمان. وكانوا جزيرة عنفوان وأمان. وجعلوا من أوقيانوس يعترف بهم ويتفاعل معهم ويتعلَم من ملافنتهم دروس الترقَي.
يجتمع الموارنة في ندوة المحبة الألهية، يؤدَون نذور الخير، مسترشدين بمعاني الصليب، يستمدَون من لسان مسيحهم قيمهم ونهج حياتهم، وكأنَهم في كلَ لحظة مدعوَون الى القداسة. ولأنَ الحبَ الحقيقي يترجم بالأعمال، لم يكن تعلَق المارونية بلبنان صوريا عابرا، فالرابط بينهما هو رابط عشق، فلو عصرت أيَ حبَة من ترابه لنضح منها عرق ماروني ودم. فلبنان للموارنة هو رغيف العمر، وكلمة تختصر كلَ اللغات، ووشوشات الملائكة في رحاب الله. وهو السيف الذي لا ينكسر، والجبين الذي لن يعفَر التراب ولو على كلَ شبر من الأرض شهيد.
وأذا ظنَ بعضهم بأنَ الخريف ملامحنا، وأنَ السترة الرماديَة تغلَفنا، لأنَ شيطانا منَا لبس لبوس التنكَر لأصوله، وتبنَى حساب يوضاس، فليعلم أنَ الموارنة وبالرغم من ضبابية القدر الموقَتة ومن اغتراب الوحدة المفتعل، سينتفضون كالنسر يحمل في مخلبه حبلاَ وعود تينة.