قضي الامر. صارت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على قاب قوسين او ادنى من ان تبصر النور. ومع ولادة الحكومة العتيدة إثر فشل المفاوضات مع الرئيس امين الجميل في شأن مشاركة القوى الاستقلالية في الحكومة لتصبح حكومة يتمثل فيها جناحا لبنان، سيدخل لبنان الاستقلال في مرحلة الهيمنة الداخلية لـ"حزب الله" والوصاية الخارجية السورية بتواطؤ داخلي، بعضه استقلالي الهوى، وكان في أصل الحركة الاستقلالية التي أخرجت الوصاية في 2005، وهو يعبّد لها الطريق لعودة في زمن كان يفترض ان يكون فيه لبنان اكثر منعة إزاء الوصايات الخارجية، وأكثر صمودا أمام نزعات الهيمنة الفئوية الداخلية.
انقضى الامر، ولم ينته لبنان، بل ان غالبيته استقلالية الهوى وستظل. ولكنها تنتظر اجوبة من القيادة الاستقلالية عن الكثير مما طرح ويطرح في هذه المرحلة في شأن الموقف مما يجري. هذه القاعدة الجماهيرية العريضة في لبنان والخارج تريد ان تعرف لماذا وصلت الامور الى هذا الدرك؟ وتريد ان تعرف الاسباب الحقيقية التي دعت الى التراجع المتواصل امام السلاح والارهاب من دون اجتراح وسائل خلاقة لمواجهتهما. ولماذا تمت المساومة على مسائل جوهرية مثل السلاح في الداخل، مع ان بيروت العاصمة بقيت حتى اليوم مدينة محتلة من الناحية العملية؟ وما هي اسباب التنازلات المتتالية التي قدمت الى سوريا لتبييض صفحتها في لبنان من دون ان تقدم الاخيرة مقابلا؟ والاهم لماذا جرت تبرئة سوريا سلفاً قبل صدور القرار الاتهامي؟ ولماذا صار مصير الاستقلال اللبناني مدار بحث ومساومة على طاولات مبعوثين من هنا ومن هناك ما كانوا مرة على صلة بحقائق لبنان؟ واخيرا وليس آخراً، تريد القاعدة المؤمنة بثوابت لم تتزحزح عنها ان تعرف لماذا عليها ان تكمل المسيرة خلف قياداتها، وبأي شروط؟
وبتشكيل الحكومة بالشروط العملية للوصايتين، سيكتشف ميقاتي ان هوامشه ستتقلص شيئا فشيئا، حتى لو اعطي في المرحلة الاولى مساحة ليتنفس فيها في اطار تسهيل مهمته في بيئته لمواجهة الاستقلاليين فيها. وعلى مسار مواز سيكتشف رئيس الجمهورية ميشال سليمان ان العد العكسي لإخراجه من الرئاسة قد بدأ حتى لو جرى تخديره بحصة في الحكومة العتيدة. فبإخراج الاستقلاليين من معادلة الحكم بتواطؤ من سليمان، يكون قد اسقط خط الدفاع الاساسي عن الشرعية الرئاسية وعنه شخصيا. ففي حكومة الوصايتين لن يكون له هامش المناورة الذي كان يتمتع به في الحكومات السابقة. وسيصبح معزولا ومعرضا بشكل مستمر لحملات من داخل مجلس الوزراء ومن خارجه، وربما أفاق ذات يوم ليجد نفسه خارج بعبدا. ولكن هذا شأنه. وهذا هو الثمن الذي سيدفعه في الاشهر القليلة المقبلة عندما يكتشف نتائج تواطئه في تثبيت الوصايتين في الحكم بشكل كامل لا عودة عنه.
ان الاوطان لا تموت. والشعوب لا تنام الى ما لا نهاية. والاذعان ليس قدراً. من هنا مسؤولية الاستقلاليين في مواجهة حكم الوصايتين، بتثبيت ايمان الناس بأن لبنان الاستقلال حقيقة تستحق النضال من اجلها، وليس وهماً كما يزعم المذعنون.