#dfp #adsense

قرى مارونية في الأطراف صارت بيوتاً بلا ناس: أجراس كنائسها تقرع حزناً وتتذكّر “مجد لبنان”

حجم الخط

كتب بيار عطاالله في "النهار": في عيد مار مارون ثمة كنائس لم تقرع اجراسها فرحا واحتفالات بـ"مجد لبنان الذي اعطي للموارنة"، لان تلك الكنائس تقع في بلدات مارونية هجرها معظم سكانها الموارنة المسيحيين ولم يبق فيها سوى العجزة والمسنين، تحت ضغط الاحداث والتطورات السياسية والامنية منذ عام 1975، أو نتيجة الفقر والعوز وسياسة التخلي والتهميش التي يعيشونها والتي تشكل الدافع الاكبر للتخلي عن الارض.

ترشيش، العيشية، الجرمق، القطراني، القوزح، حوش القِنّعبة، الجية، الدامور ولائحة طويلة جدا من البلدات المسيحية التي تركها اهلها ولم تكتمل عودتهم اليها لاسباب عدة، ورغم كثرة الكلام عن العودة والتمسك بالارض والعيش المشترك، الا ان الكلام شيء والافعال شيء آخر، فهذه القرى والبلدات – النماذج انما تعيش حال "تخل" كامل عنها من المؤسسات الرسمية اللبنانية وتلك الدينية، وخصوصاً المسيحية المارونية، مما يجعل اي امل بالعودة اضغاث احلام. ووجه الخطورة ان ثمة جيلا كاملا ينشأ بعيدا من هذه القرى والبلدات، هو ما يعني انه بعد حين لن يكون هناك من يتردد الى هذه البلدات، وستقفر تماماً حتى من المتقاعدين والعجزة الذين يضيئون عتمة منازلها الموحشة.

لكل قرية قصة تملأ مجلدات. ترشيش مثلاً تعدّ اكبر بلدات المتن الاعلى (قضاء بعبدا) وربما بعدد سكانها، وكانت من اولى ضحايا الحرب على لبنان خلال حرب السنتين حين تهجر اهاليها ودمرت منازلها، ولم تؤدّ عودة المهجرين الى بلداتهم وقراهم مع نهاية الحروب عام 1990 الى عودة البلدة الى اهلها الذين عمدوا بعد تسلم منازلهم الى اعادة بنائها ونصب كروم التفاح الذي كانت تشتهر بها البلدة، في حين عمد عدد من المؤسسات الدينية الى اعادة بناء اديرتها وكنائسها في البلدة المهمة في موازاة قيام ابناء ترشيش من الطائفة السنية باعادة بناء مساجدهم. لكن عملية البناء والزرع هذه لم تؤدّ الى عودة الاهالي الى ترشيش رغم وجود مجلس بلدي ناشط ومخاتير وحركة زراعية لافتة، اضافة الى وقوع البلدة كمركز سياحي يمكن ان يشكل عامل استقطاب وجذب للاستثمارات المختلفة، علما أن البلدة تقع وسط طبيعة خلابة ولا تبعد كثيراً عن بيروت. ورغم كل الاسباب السالفة، العودة الحقيقية لم تتحقق.

العيشية والجرمق
العيشية نموذج آخر عن معاناة الموارنة مع القهر والحرمان والانسلاخ عن الارض وغياب الرعاية الحقيقية. ورغم الجهود التي يبذلها قسم لا بأس به من شبان البلدة لاعادة "استنهاض" حالها، لا تزال المجزرة التي تعرضت لها البلدة عام 1976، عندما هاجمتها التنظيمات الفلسطينية المسلحة وحلفاؤها وأدت الى تدميرها وتهجير اهلها، تحفر عميقا في وجدان اهالي البلدة. ثم جاء الاحتلال الاسرائيلي المديد ليؤدي الى مزيد من خراب البلدة. وكتبت الزميلة رلى خالد في احدى مقالاتها عن البلدة واصفة أوضاعها بكلمات حزينة: "لم يبق في العيشية الا المسنون يناجون احباء رحلوا تاركين غصة في القلب (…)".

من اصل 3500 مواطن في العيشية لا يقيم سوى 200 شخص بشكل دائم، ومعظمهم من المسنين والارامل، وقلة من المزارعين يعتمدون على مساعدة شهرية من ابنائهم. وبذلك يصبح الفقر الشديد والحرمان والاهمال سيد الموقف، وتعجز الكلمات عن وصف الحال البائسة حيث بالكاد تصل المياه الى المنازل وتغيب المشاريع الانمائية والخدماتية في شكل شبه كامل. ورغم كل ما سلف من بؤس وقهر الا ان الحسنة الوحيدة في العيشية ان عمليات بيع الاراضي فيها محدودة جدا، وهذا ما يدل على اصالة ابناء هذه البلدة وتشبثهم بها.

وعلى بعد خطوات من العيشية، بلدة الجرمق المنثورة عند سهل الجرمق الخصب الواقع بين قضاءي جزين والنبطية، والتي احتفلت امس باعادة تدشين كنيستها التي تبرعت ببنائها دولة قطر. لكن مشكلة الجرمق "كبيرة" قياساً على مشكلات العيشية، ذلك ان اهاليها غادروها في غالبيتهم الساحقة وهم لا يستطيعون العودة وبناء منازلهم لأن ارضهم ومنازلهم لم تعد ملكا لهم، بل اصبحت ملكا لغيرهم، أما الذين يملكون بيوتاً مهدومة بفعل الاحداث والاحتلال الاسرائيلي الطويل فلا يسمح لهم باعادة البناء لألف سبب وسبب (…).

القطراني والقوزح
تقع بلدة القطراني على الطريق الاستراتيجي الممتد بين جزين والبقاع، وهي بلدة ذات غالبية مسيحية ومارونية، لكن لم يبق منها سوى الاسم على الخريطة وفي سجلات قضاء جزين الرسمية. اما بيوتها فقد هجرها اهلها اثناء الحوادث وخلال سني الاحتلال الاسرائيلي الطويلة، وهي شبه خالية من السكان ولا يزورها اصحابها سوى خلال فصل الصيف والاعياد، رغم انها تقع في اجمل المواقع الطبيعية العذراء في لبنان وتشرف على مجرى نهر الليطاني وشمال فلسطين، ويمكن استثمارها سياحيا وزراعيا. ولقد تغيرت معالم القطراني الاجتماعية جذريا مع بناء مجمع سكني ضخم متكامل فيها هو "مجمع علي تاج الدين السكني"، ولن يمر وقت طويل قبل ان تصبح القطراني من ذكريات تاريخ الموارنة في تلك الانحاء.

القوزح غالبية سكانها من الموارنة، وربما كان ذلك سبب عثرتها لأنها من اكثر القرى بؤساً وحرماناً، فقد نزح قسم كبير من اهلها الى المدن قبل الحوادث نتيجة الحرمان والفقر، في حين هاجر قسم لا بأس به الى الاغتراب ولم يبق فيها سوى المسنين والعجزة من اصل نحو 4000 نسمة، واشتهرت كنيستها خلال عدوان تموز 2006 بعدما اصابتها القذائف وطالت قبة جرسها ودارت حولها المعارك بين الاسرائيليين و"حزب الله". لكن رغم كل ما تعرضت له القوزح من دمار، لم تلق الا اهتماماً قليلا من المؤسسات الكنسية لا يرقى الى مستوى تعزيز صمود اهلها في ارضهم وتثبيت هذا الوجود من خلال توفير فرص عمل او ادوات انتاج تقيهم شر الهجرة والنزوح.

وتنسحب قصة القرى السالفة المنكوبة على عدد كبير من القرى والبلدات المارونية في البقاع، مثل حوش القنعبة وقضاء صور في دردغيا، وأقضية الشوف وعاليه. فهل هناك من يهتم لقرى مارونية صارت بيوتا بلا ناس؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل