الجمعة الخامسة بعد الدّنح
الرّسالة: غل 2: 11-14
بطرس وبولس في أنطاكية
11 ولمّا قدِمَ كيفا إلى أنطاكية، قاومتهُ مواجهةً، لأنّهُ كانَ يستحقُّ اللّوم.
12 فقبلَ أن يجيءَ أناسٌ من عندِ يعقوب، كانَ يؤاكلُ الوثنيّين. ولمّا جاؤوا أخذَ ينسحبُ ويتنحّى خوفًا من أهلِ الختانة.
13 وجاراهُ سائرُ اليهودِ في مُحاباتهِ، حتّى برنابا نفسهُ ٱنجرّ بمحاباتهم.
14 ولٰكن لمّا رأيتُ أنّهم لا يسلكونَ مسلكًا مُستقيمًا، بحسبِ حقيقةِ الإنجيل، قلتُ لكيفا أمامَ الجميع: "إنْ كنتَ، وأنتَ يهوديّ، تعيشُ كالأممِ لا كاليهود، فكيفَ تُلزمُ الأممَ أن يعيشوا كاليهود؟"
شرح آيات الرّسالة:
11-14 لم تكن الختانة وحدها موضوع جدل في الكنيسة الأولى بين المسيحيّين اليهود والمسيحيّين اليونانيّين، بل أيضًا المشاركة في الموائد عينها، وفي الإفخرستيّا نفسها. لقد جارى بطرس المسيحيّين اليهود وتبعه برنابا، نزولًا عند رغبة بعض المسيحيّين اليهود القادمين من أورشليم، وٱنقطعا عن مشاركة المسيحيّين اليونانيّين في أنطاكية، فسَلَكا مسلكًا شبيهًا بمسلك الغلاطيّين الّذين عادوا إلى شريعة الختانة، نزولًا عند رغبة بعض المبشّرين المتهوّدين الّذين كانوا يضطرّونهم أن يختتنوا (6/12). يرى بولس عواقب مسلك بطرس الخطيرة، ويرى عواقب مسلك الغلاطيّين المماثلة، ويرى أنّ الإنسان لا يسعه أن يكون مسيحيًّا ويهوديًّا في آنٍ واحد. ويدافع بولس عن الإنجيل وينتهي تدريجيًّا إلى خطبة تعليميّة أساسيّة (2/15-21)، وما الفصول التّالية سوى توسيع وتوضيح لها.
11 يبتدئ هٰذا المقطع مثل 1/15، ولا يمكن تحديد زمان ما حدث بالضّبط، قبل مجمع أورشليم أو بعده، لٰكن في زمان كان بطرس وبرنابا وبولس معًا في أنطاكية. لا يهتمّ بولس بتحديد الزّمان بل بتحديد التّعليم الصّحيح في ما يختصّ بعلاقة الشّريعة بالإيمان بيسوع المسيح.
أنطاكية: فيها ٱبتدأت البشارة للأمم (رسل 11/19-20)، وفيها دُعي تلاميذ الرّبّ لأوّل مرّة مسيحيّين (رسل 11/26).
كان يستحقّ اللّوم: حرفيًّا "مُخَطَّأ"، واللّفظة لم تَرد في العهد الجديد إلّا هنا وفي (1 يو 3/20-21). ربّمَا كان موقف بطرس مبرَّرًا في أنطاكية، مراعاةً للمسيحيّين المهتدين من اليهود. كان لبولس مواقف مماثلة في ظروف عدَّة (رسل 16/3؛ 21/26؛ 1 قور 8/7؛ 9/20؛ روم 14/21). غير أنّ بولس رآه مساومة على المسيحيّين المهتدين من الأمم، وخطرًا يهدّد الكنيسة باﮕنقسام شطرين، لا في الطّعام الأخويّ المشترك فحسب، بل في الطّعام الإفخرستيّ نفسه، ومن ثمّ خروجًا على حقّ الإنجيل (2/14).
12 رسل 10/28؛ 11/3.
الوثنيّين: هم المسيحيّون المهتدون من الأمم، كما أنّ "اليهود" في الآية 14 هم المسيحيّون المهتدون من اليهود.
أخذ ينسحب ويتنحّى: وصف دقيق يشتمّ منه القارئ أنّ بطرس حاول أن ينسحب عن المائدة تدريجيًّا، وفي صورة منتظمة، دون أن يلاحظ أحد من المؤاكلين له، بُغية أن يُرضي جميع الأطراف المتناقضة، وهو لا يفكّر في نتائج تصرّفه الخطيرة وقد نعَتَه بولس "بالمحاباة" (2/13).
خوفًا من أهل الختانة: لم يكن تصرّف بطرس قناعة شخصيّة بل مراعاة لخواطر أهل الختانة، وهم إمّا المسيحيّون المهتدون من اليهود (رسل 11/2؛ 10/45)، وإمّا اليهود الّذين لم يؤمنوا.
13 محاباة: راجع شرح 2/12. عجيب أنّ برنابا الّذي كان قد شجّع كنيسة أنطاكية في بداءَتها (رسل 11/23)، ورافق بولس في رحلته الأولى إلى اليونانيّين (رسل 13-14)، ٱنجرّ هو نفسه بمسلك بطرس وسائر المسيحيّين اليهود، فجعل شِركةَ المسيحيّين ووَحدتَهم في خطر!
15 غل 2/5؛ 3/28؛ 5/7؛ روم 15/7-9؛ مر 2/15.
بحسب حقيقة الإنجيل: حقّ الإنجيل في خطر بٱنسحاب بطرس ورفاقه هنا، كما كان بِخَتْن طيطس (2/5). المسيحيّون من الأمم باتوا يشعرون كَأنّهم مسيحيّون في الدّرجة الثّانية، بسبب موقف بطرس ورفاقه المناقض للإنجيل، وهو البشرى بيسوع المسيح مخلّصًا أوحد لجميع النّاس يهودًا وأممًا (3/28) يجمعهم شعبًا واحدًا في شركة المائدة والإفخرستيّا. يبدأ بولس خطبته في الآية 14 ب، في صورة المخاطب المفرد، ثمّ يتابع في صورة المتكلّم الجمع (2/15-17)، وينتهي في صورة المتكلّم المفرد (2/18-24)، ويستعمل بولس الأسلوب عينه في الفصل السّابع من رسالته إلى رومة: بصورة المخاطب الجمع (7/4 أ)، ثمّ المتكلّم الجمع (7/4ب-6)، ثمّ المتكلّم المفرد (7/7-25).
الإنجيل: متّى 27: 45-54
موت يسوع
45 ومن الظُّهر حتّى السّاعة الثّالثة، خيَّمَ ظلامٌ على الأرض كلّها.
46 ونحوَ السّاعة الثّالثة، صرخَ يسوع بصوتٍ عظيمٍ قائلًا: "إيلي، إيلي، لماذا شَبقتَني؟ أي: إلٰهي، إلٰهي، لماذا تركتَني؟"
47 وسمعَهُ بعضُ الواقفين هناك فقالوا: "إنّهُ ينادي إيليّا!"
48 وفي الحال أسرعَ واحدٌ منهم، وأخذَ إسفنجة، فغمسَها في الخلّ، ووضعها على قصبة، وقدَّمَ إليه ليشرب.
49 فقال الباقون: "دَعْنا نرى هل يأتي إيليّا ويُخلِّصهُ!"
50 فصرخَ يسوع مرّةً ثانيةً بصوتٍ عظيم، وأسلمَ الرّوح!
51 وإذا حجاب مقدسِ الهيكل قد ٱنشقَّ إلى ٱثنين، من أعلى إلى أسفَل، والأرض تزلزلت، والصّخور تصدَّعتْ،
52 والقبور تفتّحتْ، وقام كثيرٌ من أجسادِ القدّيسين الرّاقدين،
53 وخرجوا من القبور بعد قيامة يسوع، ودخلوا المدينة المُقدّسة، وتراءَوا لكثيرين.
54 أمّا قائدُ المئة والحَرَس الّذين معهُ، فإنّهم لمّا رأوا الزِّلزال وما حدَث، ٱستولى عليهم خوفٌ شديد، وقالوا: "حقًّا كان هٰذا ٱبنَ الله!"
شرح آيات الإنجيل:
45 خر 10/22؛ عا 8/9-10.
من الظّهر حتّى السّاعة الثّالثة: من الظّهر حتّى السّاعة الثّالثة بعده. خيّم الظّلام ثلاث ساعات، لا ثلاثة أيّام (خر 10/22).
ظلام: قد يكون هٰذا الظّلام إشارة إلى يوم الرّبّ العظيم، يوم حكمه والوفاء بوعده، على ما قال الأنبياء (عا 5/18؛ 8/9؛ يؤ 2/1-2؛ صف 1/15؛ آش 13/10؛ إر 13/16). كالأنبياء يشرك الإنجيليّ الطّبيعة في شجب صلب ٱبن الله. وقد يكون هٰذا الظّلام إشارة إلى ما جاء في (خر 10/22-23)، وكأنّ موت يسوع عبور من الأرض إلى المجد السّماويّ (لو 9/31؛ يو 13/1).
46 مز 22/2.
إيلي: "إيل" أقدم ٱسم إلٰهيّ ساميّ نجده لدى الكنعانيّين والآراميّين والعرب (إِلٰه) واليهود. بهٰذه الشّكوى يبدأ المزمور 22، فيسوع يصلّي صلاة البارّ لدى الألم، وصلاته تنفذ إلى قلب الله، والله يستجيب (مز 22/24-32).
47 إيليّا: معنى "إِيلي" إلٰهي، ولٰكنَّ الجند فهموا "إيليّا" وهو النّبيّ الّذي يُعدّ مجيء المسيح (شرح متّى 17/10)، وكأنهم يسترسلون في تعيير يسوع بعجزه عن النّزول عن الصّليب.
48 مز 69/22؛ يو 19/28-30؛ لو 23/36.
الخلّ: شراب يُقصد به التّعذيب (مز 69/22) ويرى فيه يوحنّا (19/28) إِرواء لعطش يسوع. قدّم الشّراب أحد الحاضرين في متّى، وبعض الجند في لوقا (23/36).
51 خر 26/31-35؛ عب 9/3، 12؛ 10/20.
حجاب مقدس الهيكل: هو الحجاب الفاصل بين القدس وقدس الأقداس (خر 26/33)، الّذي كان يدخله رئيس الأحبار مرّة واحدة في السّنة، وينتهي الكهنوت اليهوديّ، والعبادة اليهودّية في هيكل أورشليم، ويُفتح باب السَّماء أمام جميع المؤمنين ليكونوا أبناء الآب مع المسيح اﮕبن والحبر الأعظم (عب 6/19؛ 10/20)، أو هو، على ما يرى بولس (أف 3/4)، الحائط الفاصل بين اليهود والوثنيّين في هيكل أورشليم، وتزول الفوارق، يُفتح الباب على مصراعَيه أمام الشّعوب الوثنيّة للولوج إلى الله في شخص يسوع المسيح.
الأرض تزلزلت: زلزلة الأرض، وتَفتُّح القبور، وقيامة القدّيسين تعبير نَبَويّ عن مجيء يوم الرّبّ (عا 8/3؛ آش 26/19؛ حز 33/12؛ دا 12/2)، وعَظَمةِ المَيت: كان ٱبن الله ! (54).
52-53 دا 12/2؛ حز 37/10، 12؛ 2 مك 7/9، 11، 14، 23، 29، 36؛ يو5/29؛ 1 بط 3/19.
53 راجع متّى 4/5.
55 متّى 4/3.
القائد والحرس: يذكر مرقس (15/39) إيمان القائد وحده، أمّا متّى فيذكر إيمان القائد والسَّرِيّة بأسرها، لأنّه يرى فيهم نواة الكنيسة المؤمنة من الأمم الوثنيّة، والّتي سبقتها الكنيسة المؤمنة من اليهود.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ