#dfp #adsense

احذر يا بشار عربة الخضار!

حجم الخط

ما أعظم الثورات عندما تندلع في وجه الطغاة، لنيل مطالب عادلة، ومن اجل قضايا محقة، ويا لشرف ثوارها.

فبعد "ثورة الأرز" في لبنان التي اندلعت على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005 مطالبة بكشف الحقيقة واستعادة الحرية والسيادة والاستقلال، وبعد "الثورة الخضراء" في إيران التي أشعل فتيلها عام 2009 الانتخابات المزوّرة التي اعادت الديكتاتور احمدي نجاد الى سدّة الرئاسة بمباركة "الولي الفقيه"…ها نحن نشهد اليوم ثورة جديدة في تونس تدعى "انتفاضة الياسمين"، وهي ثورة كسابقتَيها ولدت من رحم الظلم والقمع والقهر والطغيان، وتجرأت على نزع يد طاغيتها التي لطالما كمّت الأفواه وأدمت الجباه، فرفعت الصوت عاليا ونزلت بانتفاضة شعبية لاسقاط الديكتاتورية من اجل الحرية وتحسين الاوضاع المعيشية، واضعة جلادها امام خيار واحد لا يقبل الجدال ولا الابدال: التنحي عن السلطة والانتقال الى مزبلة التاريخ.

كانت الشرارة الاولى في 17/12/2010، عندما أقدم الشاب محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في ولاية "سيدي ابو زيد" يأساً من البطالة وقمع الشرطة التي صادرت منه عربة خضار كان يسترزق منها علّه يؤمّن خبزه كفاف يومه! ولم يكن في حسبان النظام الديكتاتوري ان ما اقدم عليه هذا الشاب سيتحول شرارة مواجهات عمت العاصمة ومعظم المدن التونسية الرئيسية، على خلفية تزايد أعداد العاطلين عن العمل واستشراء الفساد والمحسوبية داخل النظام وتقييد الحريات المدنية، لتتوج في 14/1/ 2011 بدفع طاغيتها زين العابدين بن علي اخيراً الى التخلي عن السلطة مرغماً، ومغادرة البلاد فرارا الى السعودية.

وحتى اللحظات الاخيرة التي سبقت رحيل بن علي الذي حطت طائرته في مطار جدّة، حاول الاخير عبثاً التشبث بالسلطة عبر سلسلة من الاجراءات، فأعلن حال الطوارئ في انحاء البلاد وأقال الحكومة ووعد بإجراء انتخابات نيابية في غضون ستة أشهر بعدما كان وعد في 12/1/2011 بألا يترشح للرئاسة سنة 4201، لكن ذلك لم يوقف موجة التظاهرات والصدامات التي ظلت مصممة على الخيار الوحيد، فاستمرت شهرا وأدت إلى سقوط 66 قتيلا على الاقل، وكانت الاكثر حشداً يوم الحسم والنصر المبين.

وبذلك أطاحت الاحتجاجات الشعبية على القمع والفقر في تونس، الرئيس زين العابدين بن علي (74 سنة) الذي لم يجد حيالها سبيلا سوى الفرار من البلاد بعدما حكمها بقبضة من حديد طوال 23 سنة، وكان يُعِدُّ نفسه للبقاء رئيساً مدى الحياة، من غير ان يدرك أن عربة خضار قد تفقده يوما ما القرار، وتدفعه مذلولاً الى الفرار، ليصبح اول رئيس عربي يسقط بانتفاضة شعبية، في حدث غير مسبوق عربياً بدأت تتردد أصداؤه حتماً في أكثر من دولة عربية، حيث تواجه أنظمة الحكم ضغوطاً مشابهة ونقمة متنامية، بسبب الديكتاتورية وقمع الحرية والمصاعب الاقتصادية، وسواها من الانتهاكات اليومية، ولنضرب مثالاً على ذلك سورية.

فالجمهورية العربية السورية منذ ما سمي بـ"الحركة التصحيحية" المشؤومة التي استولت على السلطة عام 1970، ترزح تحت جزمة "حزب البعث العربي الاشتراكي"، الذي عقد لواء الحكم لعائلة الاسد الى الابد، واخضع الشعب السوري ومن ثم اللبناني لنظام استخباراتي حديدي يعيش على القمع والقتل والاغتيال، ويقتات من الظلم والفساد والاستبداد.

فعلى الصعيد السياسي: الشعب السوري يشعر انه اسير معتقل في وطنه السجين، ويتوق اليوم الى الحرية والتعددية الحزبية والديموقراطية والقضاء المستقل العادل، والعمل السياسي في النقابات والجامعات، كما يتطلع الى اعلام مستقل غير ممسوك ولا موجّه، والى صحافة حرة، فلم تعد تستهويه مشاهدة نشرات الاستقبال والتوديع، ولا قراءة صحافة الابواق الاستخباراتية اليومية الحافلة بالشتم والتخوين….

لقد ضاق الشعب السوري ذرعا بالحزب الواحد الحاكم ابدا، وملّ الشعارات البالية المبرمجة على الصراخ والتصفيق، وترديد اناشيد المبايعة القهرية، واشمأز من المتاجرة بالقضية الفلسطينية والمحاضرة باسم العروبة، وهو يرفض بلا شك تصدير السلاح والعنف والتطرف والارهاب الى الدول المجاورة، والتدخل في شؤونها الداخلية، وقمع المعارضين بالحديد والنار، وامتهان فنون التعبير وتدنيس الكرامات الانسانية، فسجل النظام البعثي حافل بتقارير جمعيات حقوق الانسان العالمية حول عمليات القمع الدموية.

اما على الصعيد الاقتصادي: فالاوضاع المعيشية صعبة، ونسبة الفقر عالية وتستغلها ايران لتشييع الشعب السوري خصوصا في القرى، وبعض الوظائف محرمة الا على "الرفاق"، والعائلة الحاكمة وضعت يدها على مقدرات البلاد، واحتكرت الثروات، وفرضت نفسها شريكا مساهما ومضاربا الزاميا في الشركات والصفقات والتجارات.

ولا يختلف نمط تعامل النظام السوري مع لبنان عما هو الحال في سوريا: فبعدما إجتاح النظام العلوي لبنان واحتله، سرقه وحرقه ودمره ونهبه واغتال خيرة رجالاته، ودعم فئة وحرضها على فئات أخرى، قبل ان يتم دحره في 26/4/2005 بواسطة "ثورة الارز"…

وها هو نظام الاسد يخطط مجددا للعودة رسميا الى لبنان ونيل تكليف دولي جديد يعيد تلزيم لبنان الى سوريا، وأعوان النظام السوري في لبنان يؤكدون يوميا تورطهم واياه في "جريمة العصر" وينفذون خيوط المؤامرة، ويحاولون تركيع وترويض وتطويع كل معارض للنهج السوري-الايراني، اي الفريق الاستقلالي وصخرة الممانعة المسيحية في 14 آذار.

واننا نغتنم مناسبة هبوب رياح الثورات الشعبية، وآخرها "انتفاضة الياسمين" التونسية، لكي نحث انظمة الظلم في سوريا وسواها من الانظمة الشمولية على الاعتبار وتتغيير سلوكها في تعاملها مع شعوبها، قبل ان يصل إعصار التغيير وتدق ساعة الحرية.

نعم، قد يكون النظام السوري مطمئنا على وضعه باعتبار ان بقاءه –كما قال أولمرت لشيراك في تموز2006- يمثل "جزءاً أساسياً من الأمن القومي والاستراتيجي لإسرائيل"، لكن في النهاية تبقى للشعوب الحرة كلمتها الفاصلة… فاحذر يا بشار من عربة خضار قد تفقدك القرار، ومطار جدة قد لا يكون بالانتظار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل