وحده المؤرخ واللاهوتي الكبير "تيودوريطس"، اسقف قورش في القرن الخامس، اعطى معلومات عن سيرة القديس مارون العظيم في كتابه "تاريخ أحباء الله" الذي وضعه حوالى سنة ٤٤٤؛ الا انه لم يذكر تاريخ مولده ولا تاريخ وفاته، مكتفيًا بالقول انه شغف بالسيد المسيح، على غرار الكثيرين من النساك معاصريه، وهجر العالم، وقرر التسلق في سلّم الكمال الانجيلي، فصعد الى قمة جبل كالوتا احدى جبال شمال غرب سوريا، قاضيًا فيه حياة نسكية اشد قساوة من حياة باقي اخوانه النساك. وما لبثت شهرته ان اجتذبت حالاً جميع اولئك المتعطشين الى الكمال المسيحي، فتحلّقوا حوله، مقتفين خطاه لانهم رأوا فيه المثال الحي والمرشد الروحي الخبير، مشاطرينه العزلة والمسلك. وقد تخرج من نمطه النسكي الكثير من التلاميذ.
بحسب رواية "تيودوريطوس" القورشي، لم يكن مار مارون رجلاً عادياً، بل المثال لمدرسة نسكيّة. لكن أياً كانت الحقيقة في هذا الموضوع، مار مارون شقّ طريقاً فريدة في الحياة النسكية، تتميز بالتقشف الشديد، فقد كان يصعد إلى أعلى قمة في جبل "قورش" وينصب فيها منسكته، وهي عبارة عن خيمة من أغصان الشجر، نادرا ما كان يلجأ اليها. وكان يجلس هناك صيفاً شتاءً تحت الثلج الذي كان يتساقط على رأسه.
وقال فيه "تيودوريطوس": "منحه الله من النعم على قدر أهليته. فأغدق عليه، وهو العظيم، موهبة الشفاء، حتى ذاع صيته كل الأصقاع واستمال الناس من كل حدب وصوب، مبرهنًا بالأفعال صحة شهرته. وكان الناس، في الواقع، يشاهدون الحمّى تخمد بندى بركته، والقشعريرة تزول، والشياطين تهزم وجميع الأمراض تشفى، بمختلف أنواعها، بعلاج وحيد هو الصلاة".
ان "قورش" هي منطقة في شمال غرب مدينة حلب، عند سلسلة جبال "قورش" التي تصل بين تركيا وسوريا اليوم، وهي في أقصى الشمال السوري. بالواقع، مار مارون عاش طويلاً، وقد يكون وصل الى عمر التسعين. والدراسات في هذا الموضوع تشير الى وفاته عام 410. "تيودوريطوس" يذكر كيف اختلفت كل القرى والبلدات التي تقاطر منها الجموع للاستماع لتبشير مار مارون، حول دفن جثمانه وأخذه كذخيرة لقراهم. وقرية واحدة حصلت على هذا الشرف، وأصبح فيها مزار وكنيسة كبيرة على اسم القديس في هذا المزار. ولم يذكر الأسقف تيودوريطوس اذا كانت هذه البلدة "براد" أم لا.
لقد جرت حملة كنسيّة برئاسة الأباتي بولس نعمان بدعم وتشجيع من مطران حلب للموارنة، وبدعم من الحكومة السورية، إذ قامت هذه اللجنة بالتنقيب في المكان الذي يُعتقد أنه مكان دفن القديس. لكن لم تجد هذه اللجنة شيئاً ولم يتم إكمال عملها.
إنما الكثير من اللبنانيين الذين يزورون سوريا، يتوجهون بعد زيارة بازيليك مار سمعان العامودي مسافة 15 كيلومترا شمالاً على أنقاض قرية أو مدينة قديمة، يُقال ان ضريح مار مارون موجود بين هذه الأنقاض. لا يهمنا موضوع مدفن أو ضريح مار مارون تحديداً، لأن من الأكيد أن خلال القرن السادس، أخذ تلاميذ مار مارون بقايا رفات القديس ووضعوها في أساسات دير مار مارون عند منطقة العاصي، وشيدوا كنيسة كبيرة حيث وضعوا ذخائره فيها، وبعد مقتل 350 من التلاميذ (أي تلاميذ مار مارون كما يُعرفون) سكّان هذا الدير الموجود في منطقة "شايزا" قرب "أثاميا"، نزحوا من هناك إلى لبنان حيث يُقال إنهم جلبوا معهم بعضاً من رفات القديس ووضعوها في دير مار مارون في منطقة كفرحي. ما نريد قوله إنه سواء كان مدفنه في شمال سوريا أو رفاته في منطقة العاصي، لدينا في دير مار يوحنا مارون في كفرحي، هامة القديس مارون.
اذاً مار مارون هو اب الكنيسة المارونية وشفيعها وليس مؤسسها. وقد كانت انطلاقة الكنيسة المارونية عبر تلاميذ مار مارون. فالملفت في الكنيسة المارونية هو كونها الكنيسة الوحيدة في العالم التي تنتسب إلى شخص. لماذا هذا الشخص تحديداً؟ مع العلم أنه لم يؤسس كنيسة أو رهبنة، بل تتلمذ أناساً على يده بالحياة النسكية.
تلاميذ مار مارون كانوا يفاخرون بأنهم أتباع القديس مارون. ظهر كيان هؤلاء التلاميذ الخاص في مجمع خلقيدونية سنة 451 الّذي دأب على دراسة طبيعة المسيح. ونتيجته كانت التشديد على انسانية وألوهية يسوع المسيح، بمعنى انه انسان كامل وإله كامل. وهذا التشديد أتى بضغط من تلاميذ مدرسة أنطاكيا اللاهوتية، كما ومن تلاميذ مار مارون الذي حظوا بقوة كبيرة في هذا المجمع، الّذي جاءت نتيجته اضطهاداً لتلاميذ مار مارون الذين دفعوا الثمن واستشهد 350 منهم دفعة واحدة. وهذا ما جعل باقي التلاميذ أمناء للقديس ويحملون إسمه في العالم. بعدها أصبح هؤلاء يحملون اسم مارون ليُعرفوا بالموارنة، ويشكّلوا مع عائلاتهم والمقربين منهم كياناً كبيراً.
عندما اضطهد تلاميذ مار مارون، لجأوا إلى لبنان واختبأوا في وادي قاديشا، حيث كان التوسع الإسلامي سنة 630 الذي دقّ أبواب "القسطنطينية"، فأصبحوا في حالة انعزال. في هذا الوقت، مات البطريرك في أنطاكية، وقام مطارنة أنطاكية بترك منطقتهم هرباً من الفتوحات الإسلامية، وتوجهوا إلى "القسطنطينية". عُيّن أحد هؤلاء المطارنة بطريركاً على أنطاكية، ما لبث أن توفي بعد حين. فما كان على موارنة لبنان إلا أن جمعوا المطارنة الذين أتوا الى لبنان وانتخبوا بطريركاً عليهم.
منذ ذلك الحين، صار لدينا أول بطريرك ماروني يسكن في لبنان، لما يتمتع به جبل لبنان من استقلال ذاتي، كان اسمه البطريرك يوحنا الذي أطلق على نفسه اسم مارون ليعرف بعدها بالبطريرك يوحنا مارون. وهو أول بطريرك ماروني. كان ذلك بين 685 و710. البطريرك يوحنا مارون هو من سلالة بطاركة أنطاكية، بمعنى أن مطارنة أنطاكية انتخبوه ولم ينصّب نفسه. وكان أول اعتراف من كنيسة روما بهذا الكرسي البطريركي، في حالة العزلة التي كان يعيشها الموارنة في تلك الأيام، عندما تمت دعوة البطريرك للمشاركة بأول مجمع مسكوني في روما سنة 1215.
لم أسرد هذه التفاصيل التاريخية لأنني رغبتُ في الكتابة. ولكن استفزني شعار "رحلة الحجّ الى الينبوع" التي نظمها التيار العوني الى حلب في سوريا. فعذراً يا سعادة النائب الجنرال ميشال عون، ان "براد" ليست ينبوع الكنيسة المارونية حتى ولو احتضنت جثمان مار مارون يوماً، وهذا ما يحتاج الى اثبات حتى اليوم، بل "وادي قاديشا" هو الينبوع وهو المهد. كنيستنا شفيعها مار مارون ولكن ينبوعها لبناني ولو نُسبت اليه فقط إسمياً لأن هذا الناسك كان بالنسبة لتلاميذه القدوة والمثال. فمار مارون لم يؤسس رهبنة أو كنيسة اذ ان قوانين الرهبانيات المارونية وُضعت في لبنان واقتدت بالقديس أنطونيوس الكبير أب الرهبان.
فيا جنرال العلمانية، إن كنتَ تريد الانحراف سياسياً والخضوع لسوريا، لا يمكنك أخذ الموارنة بالعاطفة من خلال غطاء ديني، أطلقت عليه اسم "رحلة الحج الى الينبوع". كنيستنا المارونية لبنانية قحّ! نعم مئة في المئة! ولا اقول هذا بدافع التعصُب، اذ ان الكنيسة المارونية انطلقت من لبنان الى كل أصقاع الأرض ومنها سوريا وقبرص الجارتين. ولعلّ أعداد الموارنة في بلدان الانتشار حول العالم أكبر دليل على ذلك.
يا جنرال، ان مار مارون هو شفيع طائفتنا وكنيستنا ووطننا لبنان، وها نحن اليوم ينقصنا الكثير من صفات هذا الـ"مارون" الناسك والمتقشف الذي اتحد مع الله بالعيش في العراء والصلاة.
يا جنرال، هل عندما نُهلل لاستقالة بطريرك الموارنة، اي رأس الكنيسة التي اتخذت مار مارون شفيعاً لها، نستأهل فعلاً أن نكون أبناء هذا القديس وان يكون أبانا وشفيعنا؟
يا جنرال، أنا ماروني أباً عن جدّ، وقد عاش أجدادي حسب تعاليم كنيستهم منذ البطريرك الأول مار يوحنا مارون وصولاً الى البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. وعبر التاريخ، ارتبط الموارنة بلبنان ارتباطاً وثيقاً لدرجة ان بعضهم قال: "ان لبنان هو من صنع الموارنة" الذين جلّلوا جباله وحفروا صخوره وسكنوا مغاوره بحيث كانت الذئاب والوحوش عاجزة عن الوصول اليهم".
فعذراً يا جنرال، "براد" ليست الينبوع. ولا شك انها بلاد مقدسة لأن نساكاً كثراً عاشوا فيها ومن بينهم مار مارون. فمهدُ المارونية وينبوعها هو فقط "وادي قاديشا" أو الوادي المقدس في لبنان.
وإن كنت، يا جنرال، تستمد إلهامات سياساتك من الينبوع السوري، فالموارنة في لبنان وكلّ العالم لا يستمدون الإرشاد والهداية الروحيّة إلا من بطريرك انطاكيا وسائر المشرق الذي لهُ ولهُ وحدهُ أُعطيَ مجدُ لبنان!