ما بعد اجتماع دار الفتوى هو غير ما قبله! واحدة بواحدة.
مرحلة انتهت وأخرى بدأت. ومن كان يظن (أو يبلف) ان لبنان هذا يمكن أن يخضع لمنطقه الأحادي، أو لصلفه، أو لسلاحه، أو لإسقاطاته، أو لارتباطاته، إنما كان واهماً ومشتبهاً أيّما اشتباه! وفي أدبيات اليسار في أيام عزّه، كان ذلك الأداء يُسمى اختصاراً وإيجازاً، طفولية سياسية، لا تليق بالناضجين في هذا العلم ولا في علوم الأوطان والمقاييس والأوزان والميزان!
لم يكن البيان الوثيقة مفاجئاً إلا لمن تنكّب مهمة تعجز عن حملها الجبال. مهمة فرض بيانه وسياساته وخياراته بالحديد والنار والتهديد والوعيد على أقوام وجماعات وطوائف ومذاهب، كل واحدة منها تفترض عن حق، انها ولبنان صنوان، هي فيه مثلما هو فيها. منذ بدايته وقيامه وصعوده، وحتى انتهائه ونزوله وركونه أينما شاء ربّ الدنيا أن يركنه!
ولم يكن ذلك البيان الوثيقة مفاجئاً إلا لمن افترض أو اشتبه انه قادر حيث فشل الآخرون. وأن له ما عزّ على غيره. وأنه يستطيع أن يفعل ما عجز عن فعله من سبقه من قوى وأحزاب ومنظمات ودول عظمى وأخرى مدّعية العظمة.. وهي كلها جرّبت ولم تحصد إلا المرارة والخسران والخيبات الوازنات!
ولم يكن البيان الوثيقة مفاجئاً إلا لمن ظنّ أو اشتبه، انه يمكنه أن يُصادر ويحتكر شعارات دينية ودنيوية أكبر من اللحظة الراهنة والميل الواضح في كفّة الميزان. فلا مقاومة إسرائيل بدأت اليوم أو بالأمس القريب. ولا العدالة هي مجرد إسقاط لغوي في نصّ حزبي خاص… هي في البداهة، نصّ إلهي مصبوب كشرط موازٍ للحياة نفسها! ولا يمكن للخلط أو الشطط السياسي العابر، أو للاجتهاد الديني أو الفكري أو الفقهي الناقص أن يقتلها أو أن يقتل ويخرب ويعوق إرادة ربّ هذه الدنيا على ما فيها!
ولم يكن البيان الوثيقة إلا درساً لازماً لمن أراد أن يغشّ نفسه والآخرين في الامتحان! مفترضاً أو مشتبهاً انه يستطيع استبدال نصّ بنصّ: لانه قاوم إسرائيل يمكنه أن يفتري ويخوّن ويشطب الآخرين ويمحو التاريخ! ولانه يحمل سلاحاً، يمكنه أن يلعب بالميزان، ولأنه عالي النبرة يمكنه أن يأكل أكثر مما تتحمّل مساحة الهضم! ولأنه فرض رأيه في جزئية هنا أو هناك، يمكنه أن يفرض ذلك الرأي في أسس وثوابت قائمة في مكانها لا تذهب الى هنا ولا الى هناك!
كان لا بد في اللحظة المناسبة ومن المكان المناسب، أن يتوقف ذلك العبث الانتحاري الفالت من دون رباط. وأن تُلجم النوازع عند حدّها. فالخلط الخطير بين السياسة والدين ليس لعباً خاصاً بفريق دون آخر في بلد مثل لبنان، بل في المشرق برمّته. كما انه ليس نمطاً يمكن له أن يركب على نظام مثل نظامنا حتى لو "طربقت" السماء على الأرض!
..حتى المستشرقون ما خاطروا في افتراضاتهم الى ذلك الحد. إنما (للمفارقة) علموا وعرفوا أكثر بكثير من البعض بيننا هذه الأيام، ووظفوا علمهم في السياسة وحسابات دولهم.. علموا ان مقتل هذا الشرق إنما يبدأ من تلك التوليفة السحرية: خلط النص الديني بالسياسة العامة في مجتمع متعدد الأعراق والطوائف والمذاهب! على تلك السيبة أساساً وقبل أي شيء آخر، بُنيت ونمت كل السياسة الاستعمارية في المنطقة، ولا تزال موجودة رغم كل هيصات التحرر!
لا يفاجئ البيان الوثيقة إلا الواهمين!
ثم بعد ذلك، بل قبل ذلك وفوقه، لا يُفاجئ إلا من يفترض ان حركشة أفاعي الفتن تبقيه بمنأى عن لدغاتها القاتلات!.. والبادئ أظلم!