انفض استحقاق رئاسة الحكومة، مخلفاً معه أكثرية جديدة كانت بالأمس معارضة وباتت اليوم موالاة تسعى لاحتكار السلطة بعدما نجحت في إقصاء خصومها عن الحكم، معززة ذلك بتمنع الفريق الآخر عن المشاركة في الحكومة العتيدة.
فأصبح المشهد شبيهاً بجماعة صامت لفترة طويلة، وفجأة وجدت نفسها أمام مائدة غنية تحتوي على ما لذ وطاب من الأصناف الشهية والمتنوعة… فانقضت هذه الجماعة، تتدافع في ما بينها للحصول على أكبر وألذ الأطباق، متناسين حصة صاحب الدعوة والمدعوين الآخرين!.
وهكذا، نرى الموالاة الجديدة، بعدما عطّلت البلاد لأشهر طويلة، منادية بضرورة الشراكة بالحكم وتوازن الحصص داخل الحكومة إلى ما هناك من شعارات حول الوحدة الوطنية والوفاق، تستغل عزوف موالاة الأمس عن المشاركة في حكومة الرئيس ميقاتي فتنقض على الحقائب الوزارية، في منافسة بين رفاق الفريق الواحد، متجاهلة حصة رئيسي الجمهورية والحكومة، خاصة في حكومة من لون واحد.
فإذا بمن انبرى يدافع عن صلاحيات رئيس الجمهورية، هو أوّل مَن يحاول تقليص حصته من الوزارات بحجة النسبية مع التمثيل النيابي الذي <سمّى> الرئيس ميقاتي رئيساً للحكومة العتيدة.
والسؤال هنا: أين دور رئيس الجمهورية، لا بل رئيس الوزراء أيضاً في حكومة يُفرض عليها جدول اعمال وقرارات تخدم فريقا واحدا دون سواه، في حال لم تستطع حصة الرئيسين من تعديل الكفة؟.
إن سياسة الإلغاء التي تنتهجها الأكثرية الجديدة لن تؤدي إلا لمزيد من الانقسام، ولن تُنمي إلا الأحقاد والكيديات في النفوس… من دون أن تنجح في إلغاء أي طرف لأن لكل قاعدته الشعبية، وتاريخ سياسي يجذّره في موقعه، ويفرض عليه مشاركة لإيصال الصوت على اكمل وجه.
ومن هنا، لا بدّ من إعطاء كل ذي حق حقه، في المقدمة رئيسي الجمهورية والوزراء، لما يمثلان من ثقل لطائفتيهما بالدرجة الأولى وموقع جامع ووطني على صعيد الوطن.
ومن ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى تجارب المقاطعة السابقة التي خاضتها القوى المسيحية في انتخابات عام 1992، والقوى الشيعية في حكومة الرئيس السنيورة. فكانت النتيجة أن عزلت هذه الطوائف نفسها، من دون أن تنجح في تحقيق أي من أهدافها، بل على العكس احدثت المقاطعة خللاً في التوازن السياسي، وعمّقت الانقسامات في الشارع، مما خدم العدو بالدرجة الأولى على حساب جميع الاطراف المحليين من دون استثناء.
لقد تميّز لبنان، منذ استقلاله، بديمقراطية وحرية لم تنجح أي من الأنظمة المحيطة في تحقيقها، فكان قبلة للأحرار والطامعين في آن، من دون أن تؤدي الاختبارات والتجارب التي خاضها في إنضاج الممارسة الديمقراطية، وحرية الفكر السياسي.
واليوم، وبانتظار ولادة الحكومة العتيدة بكل ما تحمل من مفاجآت، عساها سارة، كما تأمل أغلبية المواطنين، يبقى الهم الأوّل تحييد لبنان عن فوهة البركان المحموم في المنطقة والنهوض بالاقتصاد الوطني بما يرتبط بشكل مباشر بلقمة عيش المواطن وحاجاته الأساسية المفقودة…حتى اليوم!.