#adsense

العزلة

حجم الخط

قيل في خطبة خارج خريطتنا بمناسبة عيد مارون: إن هدفنا هو الخروج من العزلة… والعزلة، لغة، هي الأنزواء والأبتعاد. وفي السوسيولوجيا، هي التنحَي عن الجماعة للأنفراد والوحدة. أمَا في علم السياسة فتعني الأقصاء عن الشأن العمومي. والمقصود باستخدام ضمير الجمع للمتكلَم "نا"، هم الموارنة الذين سمح أحدهم لنفسه، بهتانا، بإختزالهم في شخصه "الكلَي". وكأنَ تفويضاً قدسياً ألقي في جيبه، أسوة بتفويض ألهي أعطي للذي حصر الله به فيضه السماوي، فتكشَفت له جواهر الحقيقة المطلقة التي امتنعت عن سواه، فآمن بالحلول في ذات الله، وبات من حقَه القول: أنا ربَكم فاعبدوني.

وأذا كان المقصود بالعزلة، تلك التهمة التي كالها أركان الحركة الوطنية البائدة على المسيحيين والموارنة بالذات، في بداية الحرب الداخلية المقيتة، بأنَهم "إنعزاليَون"، فأتهامهم هذا ليس، في الواقع، سوى اشادة عن غير قصد بالحرية السياسية التي يتمتَع بها الموارنة من دون غيرهم في هذا الأوقيانوس الأقليمي. فالأنعزالية هي تبنَي سياسة الأتَجاه المخالف لتوجَه الدول المجاورة، ما يعني الرفض المطلق للتوتاليتارية البوليسية التي تتناقض كليا مع نظام الحريَات. وخير مثال على هذا النمط النيو ديكتاتوري، تلك المساحة التي وقف فوقها البارحة من سمح له بالتصرَيح بأنَه جاءها ليخرج من عزلته.

وأذا كان المقصود بالعزلة عدم الأنفتاح على العالم، فالتقوقع لم يكن يوما من شيم المسيحيين والموارنة تحديدا، الذين جابوا الآفاق وملأوا الأقاصي، تاركين بصمات الفكر المشرقي في حضارات العالم. وكان لصولاتهم شهود في المجالات السياسية والأقتصادية والأدبية والعسكرية، حتى ليمكن القول إنَ ما من شبر في مجتمع الناس لم يتشرَف بالتعرَف الى ماروني من لبنان. وبالتالي، فالكلام عن الأنزوائية ليس سوى تهريج سياسي عبثي لا قيمة موضوعية له. والغريب أنَ هذا الكلام الهذياني لا يزال يلقى آذانا مقبلة على الأستماع أليه.

ولم يبق أذا سوى تفسير يتيم للقول، والذي كان حريَا أن يستخدم فيه ضمير المتكلَم بصيغة المفرد، لتصبح العبارة: "هدفي هو الخروج من العزلة". لكنَ العجيب أنَ صاحب المقال يعيش تفككا فكريا فاضحا، أذ كيف يستطيع أقناعنا بأنَه لم يستطع الخروج من العزلة ألاَ عند الذين فرضوها عليه، ولمدة ليست بقصيرة؟ ومن البديهي، تاليا، الأستنتاج بأنَ الرجل يعلن، وبالصوت العالي، بأنَه كان يقضي محكوميَة عزل في وطنه. وكأنَ الكلَ عزله، إن لم يكن بالشكل العلني، فبالخفاء. فهؤلاء الباطنيَون أشبعوه مدحا لأرضاء " الفانتازيا " لديه، وبكل براعة في التكتيك السياسي والنفسي، بهدف أن يصبح أكثر طواعية لأستغلاله.

إنَ "حجَه الى أرض التنوير" ما هو ألاَ فسحة تؤمَن له أن يفرج عن كربته ويخرج من عزلته. وخطابه العالي النبرة، لم يقصد منه سوى أسماع نفسه بالذات مفردات لا تزيل قلقها المريض فحسب، بل تشبع حال الهلوسة والشعور بالتفوَق المزيَف. ولكن فليعلم بأنَ الموارنة الذين زرعوا في لبنان فوق كل صخرة كنيسة، لن يستجدوا بركة فرمانية ويهرقون كرامتهم على أعتاب مانحيها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل