كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": رغم تسلمه مهماته في لبنان في لحظة دقيقة تزامنت مع سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري، وفي ظل الترقب الذي يطبع الموقف الغربي من التطورات اللبنانية، لا يتوانى السفير المجري لاسزلو فارادي عن شرح خلفيات الموقف الاوروبي من المتغيرات المحلية. هي متغيرات يتناولها من اعتبارين، الاول ينطلق من رئاسة بلاده للاتحاد الاوروبي راهناً، الامر الذي يجعله مطلعا على وجهات النظر الاوروبية في هذا الشأن بالتعاون مع السفيرة الجديدة انجلينا ايخهورست، فيما يعتمد الثاني على خبرة واسعة في شؤون المنطقة استمدها من مهمات وتكليفات شملت على امتداد الاعوام الـ 25 الماضية منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وكانت آخر محطاتها المغرب. تضاف اليها "قيمة مضافة" اكتسبها من مرافقته سير المحاكم في يوغوسلافيا السابقة عبر متابعته عن كثب الاحداث في بلغراد بين 1994 و1998.
بعد جولة على القيادات السياسية، ضمنها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، يتحدث فارادي في لقاء مع "النهار" عن مجموعة مواقف. في مقدمها تمسك اوروبي بالمحكمة الخاصة بلبنان التي لا يمكن ان تستخدم لاهداف تختلف عن الغرض الذي انشئت من اجله، كما يقول، اي محاكمة القتلة ووضع حد للافلات من العقاب. وهو يستشهد في هذا الاطار برد فعل الاتحاد الاولي على تكليف ميقاتي، واساسه ضرورة احترام التزامات لبنان الدولية. وفي وقت يعزو الترقب الذي لاقاه هذا التكليف الى تمييز الاتحاد "بين ما يعلنه الرئيس المكلف وما سيفعله"، يشدد على ضرورة منح ميقاتي وقتا، من دون ان يقصي احتمال مشاركة قوى 14 آذار في التركيبة الحكومية، كاشفا عن جانب سري من المشاورات يتم بعيدا من الاعلام.
حذرون ولكن…
بعيون اوروبية، تمثل المحكمة "عملية قانونية، ومتى تبدأ، يجب اكمالها". من هنا، يستعرض فارادي شريط المواقف الغربية الذي رافق سقوط الحكومة: "في ردود الفعل الاولى، توقع الاتحاد الاوروبي ان يتم احترام التزامات لبنان الدولية، ايا كان الرئيس المكلف، او اعضاء حكومته. طبعا، ليست المحكمة التزام لبنان الوحيد على المستوى الدولي الا انها تأتي في مقدم هذه الالتزامات". واذا كان البيان الصادر عن وزراء الخارجية الاوروبيين مطلع الشهر الجاري، نص على ان هؤلاء احيطوا علما بتكليف ميقاتي منوهين بالجهود التي بذلها الحريري، فان فارادي يشرح ملابسات هذا الموقف بتمييزه بين الاقوال والافعال: "نعتبر ان الرئيس الحريري كان واضحا في اهدافه لجهة وضع البلاد على سكة دولة القانون، بالتعاون مع مكونات قوى 14 آذار. لذا حظيت حكومته بدعم كامل على هذا المستوى (…) فالمنطقة متخمة بنزاعات والاتحاد الاوروبي مهتم برؤية لبنان يتقدم في مناخ مستقر وديموقراطي وفي ظل دولة القانون. وجدنا في حكومة الوحدة الوطنية السابقة مؤشراً للإجماع".
في استعادة لتصريحات بعض الاطراف التي رافقت تحويل المدعي العام للقرار الاتهامي، يلاحظ الديبلوماسي الاوروبي رفضا له رغم ان احدا لا يعرف محتواه بعد. ويدفعه ذلك الى التذكير بان "القرار في ذاته لا يعني صدور حكم بل ستكون هناك عملية قانونية وسيتم دعوة المتهمين وسيكون هناك دفاع ومحاكمة عادلة".
عمليا، قابلت قوى 14 آذار تكليف ميقاتي بالتركيز على الآلية غير الدستورية التي اوصلته، انطلاقا من الضغوط التي رافقت ولادة الاكثرية الجديدة. ويختصر فارادي الموقف الاوروبي من هذه الآلية بالقول: "هدفنا رؤية لبنان مستقرا، سيدا، يبسط سلطته على اراضيه كاملة بعيدا من اي تأثير خارجي. وضمن السيادة التي يتمتع بها، اتخذت قرارات. قضى الاول بالخروج من الحكومة كما انه تم تشكيل اكثرية جديدة. من الناحية القانونية، لا يمكن الا ان نسجل انه تم اعتماد تقنيات لاقناع بعض النواب. هي تقنيات تخرج عن الاطار القانوني وخصوصا ان التهديدات مرفوضة في نظرنا. نرغب في منح الرئيس ميقاتي وقتا. لقد شرح لي نياته وخرجت مطمئنا. يقول إنه يريد الحوار وهذا مهم وهذا هو موقفنا ايضا".
حتى ضمن فريق 14 آذار، يلاحظ السفير المجري ان احدا لا يبدي شكوكا حيال شخصية الرئيس المكلف، "الكل يكاد يقول إنه يمثل الحل الافضل في الظرف الاسوأ. ولكن السؤال هو اي هامش مناورة يملك؟ هو يقوم باستشارات مع كل الاطراف، وحتى الآن لم يتم استبعاد احتمال مشاركة قوى 14 آذار بعد، علما ان هناك نقطتين لا يمكن الرجوع فيهما الى الوراء بالنسبة الى هذه القوى هما المحكمة والسلاح غير الشرعي".
عدالة … مستمرة
يتحدث الديبلوماسي الاوروبي عن روابط قانونية تحفظ مواصلة المحكمة عملها، بصرف النظر عن الاجراءات التي يتم التلويح بها: "حتى لو قطع التمويل، فسيتم توفير مصادر بديلة وقد بدأ العمل على ذلك. ولجنا طريقا ولا يمكن وقف المسيرة. تولى الامين العام للامم المتحدة مثلا تعيين القضاة اللبنانيين وهم مسؤولون امام الامم المتحدة، كما انه لا يمكن تغيير قرار مجلس الامن، هذا واقع . ثمة من يدعي بأن عدم توقيع الرئيس (الجمهورية) للبروتوكول مع المحكمة يعني انه ليس دستوريا، لكن قرار مجلس الامن الزامي لكل الدول الاعضاء في هذا المجال. واذا حصل غير ذلك قد يبلغ الامر مستوى وضع عقوبات". ورغم ذكره الكلمة الاخيرة، يصر فارادي علي ان هذه الاجراءات ليست هدف المجموعة الاوروبية: "نرغب في رؤية لبنان يتطور بهدوء وفي شكل طبيعي. ولكن ستحصل طبعا ردود فعل ولن يمر الامر بلا تعليق في حال برزت خطوات ما".
يرد السفير المجري على التلويح الاميركي والاوروبي ولا سيما الفرنسي عن احتمال وقف المساعدات العسكرية الى لبنان، اذا برزت مؤشرات قطيعة بين لبنان والمحكمة، بالدعوة الى "اتخاذ هذه المواقف على محمل الجد"، مشيرا الى مواقف لاحقة في هذا الصدد: "فالامر يبدو بالنسبة الينا كما بالنسبة الى بعض الافرقاء، مسألة مبدأ".
والى اي مدى يرتبط الموقف الاوروبي بالحضور العسكري ضمن "اليونيفيل" في ظل الكلام عن زيارة قام بها ممثل الامين العام للامم المتحدة في لبنان مايكل وليامس الى بروكسيل حيث عرض القلق الناجم عن امكان ضرب الاستقرار في لبنان؟
لا ينفي فارادي امكان ان تؤثر الامور على الجنود الدوليين اذا سارت الامور في اتجاه مختلف، متداركا ان هذا "ليس هذا هو الوضع راهنا. فالفرق موجودة هنا للفصل بين اسرائيل ولبنان. ويبدو لبنان اليوم البلد الاكثر استقرارا مقارنة بما يحصل في مصر او تونس".
سوريا
على وقع مناقشات مستمرة لاتفاقات الشركة مع سوريا، انتهجت دول اوروبية عدة سياسة انفتاح حيال "الجار اللبناني" الذي يبدو الى الآن في منأى عن التغيرات التي تشهدها المنطقة. هنا، يرد فارادي بتساؤل عن "النتيجة التي توصلنا اليها من جراء اهمال سوريا؟ لذا اقترحنا ادخالها ضمن هذا التعاون. نتولى الحوار مع دمشق حول مسائل الاصلاحات وحقوق الانسان والحريات. نعلم ان ثمة نظاما خاصا بسوريا، وقد لا يتناسب مع النظام في اوروبا. الا اننا نأخذ في الاعتبار الاوضاع السائدة في المنطقة ولا سيما مصر والحائط المسدود الذي وصلت اليه المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، ففي الاعوام العشرة الاخيرة بلغنا القعر".
وتعليقا على كلام الرئيس السوري بشار الاسد الى "الوول ستريت جورنال" والذي وعد فيه بمتابعة الاصلاحات، يقول: "ننتظر لنرى (…) صحيح ان سوريا خرجت من لبنان عسكريا الا ان لديها مصالح فيه وقدرة على التأثير في ما يجري. قلنا مرارا انه ممنوع التدخل في لبنان، وكررنا ذلك في طهران ايضا".
السلام
دعا مؤتمر ميونيخ الى انخراط اوروبي اكبر لاعادة اطلاق المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية، وما لبث ان استتبع باقتراح روسي يقضي بزيارة الشرق الاوسط. هذه التطورات وغيرها تقود المسؤول المجري الى التذكير بمضمون معاهدة لشبونة التي تسمح لاوروبا بالتحدث بصوت واضح في القضايا المطروحة. وفيما يركز على ان لا سلام في الشرق الاوسط من دون دعم اميركي قوي للمضي قدما في العملية السلمية، يأمل حصول تطور في اتجاه حل الدولتين ضمن سلام عادل. ويختم مطالبا باعادة احياء المفاوضات بين سوريا واسرائيل وبين الاخيرة ولبنان.