نعم مجدداً: ما بعد بيان اجتماع دار الفتوى هو غير ما قبله.
ولا يمكن من الآن فصاعداً إلا التوقف مليّاً أمامه كما هو بمضمونه وشكله ومعناه ومبتغاه والحضور الذي أنتجه.
ليس ذلك البيان كلاماً عابراً يقارب لحظة سياسية مأزومة. ولا كلاماً خاصاً بحراك راهن يتصل بموقع رئاسة الحكومة ودورها وصلاحياتها. كما انه ليس تسجيلاً لموقف من قضية العدالة يُطوى مع الوصول إليها (!؟).
إنه، عدا عن أخذه ما سلف كقاعدة انطلاق، بيان "يقظوي" يُسجّل شعوراً عميقاً بخطر استثنائي، بل غير مسبوق، ويعلن بوضوح لا تشوبه شائبة التورية المعهودة في أدبيات الحياة السياسية والطائفية اللبنانية، ان ذلك الخطر أكيد وليس مسرحياً، وكبير وليس عارضاً، وقريب وليس نائياً، وفي الحالات المماثلة، لا مجال للغموض، كما لا مجال للتراجع أو التراخي!
ومخطئ بالعشرة، من يحاول التذاكي في القراءة، أو اطلاق تفسيرات تناسب موقفه وموقعه السياسي.. بل لنقل، لا بأس بذلك، إذا كان الأمر يتعلق بوتيرة مألوفة من الكلام في السياسة والإعلام، غير أن الأهم يبقى رد فعل الطرف الآخر، المولّد المركزي لذلك الخطر الوجودي من خلال أدائه وسياساته، وإعلامه وسلاحه!
وفي ذلك، لا بأس من نسيان المرحلة السابقة، لأن الحكم عليها يُوصل الى الكآبة والقنوط والحرد والمشاعر المستحيلة. ثم لا بأس من الوقوف في صف المتفائلين المفترضين أن الصوت وصل، والرسالة بُلّغت، وأن زمن اللعب الخفيف قد وصل الى نهاية، وأن المطلوب فعل يليق بالأنشودة العظيمة الخاصة بالوحدة الإسلامية، كما يليق بـ"المعنى الأخير" لقصة مقاومة إسرائيل والبنيان المؤطّر لتلك المقاومة.. إذا كانت إسرائيل هي فعلاً وحدها المبرر الوحيد لحمل السلاح (؟!)
..كان من المستحيل على كل من راقب وشاهد وعاش السنوات الست الماضيات، أن يفترض ان ذلك القطار لن يصل الى هذه المحطة.. وكان من المستحيل على كل من وقف على شيء من تاريخ لبنان أن يفترض نتيجة غير تلك التي وصلنا إليها. سبق الظن ان البعض يحمل سلاحاً ثقيلاً لكنه يتصرف بخفّة. ويحمل مشروعاً كبيراً لكنه يتصرف بصِغر. ويتنكّب مهامّ على مستوى "الأمة" لكنه يستسيغ الغرق في أصغر الزواريب.. كما سبق الظن والتأكد أن كل آليات ووسائل البلف والتزوير والافتراء والتجنّي قد استخدمت في سياق نزاع سياسي كبير ووصل الأمر الى حد محاكمة الأحياء والأموات، بوتيرة صلفة بائسة يابسة مؤذية وقليلة الأدب على المستويين الشخصي والسياسي…
غير ان الكأس طفحت، وآن الأوان لكل ذلك الضنى أن يُزاح جانباً، وأن تؤخذ الدنيا كما هي، وليس كما ينصّ الافتراض المستند الى السلاح! وآن الأوان فعلياً للتبصّر في مآل الأحوال طالما ان الاصطفاف اكتمل وبان!
..انه ليس بياناً عابراً، بل هو بيان تأسيسي لمرحلة جديدة، يمكن لمن كوّن سالفتها، أن يحدّد مآلها وطريقة سيرها قبل غيره.. والله أعلم!