من يستطيع التنكر او التغاضي عن وصف ما نفذ بحق حكومة الرئيس سعد الحريري بانه انقلاب دستوري الطابع وعنفي المضمون على النظام والصيغة والتركيبة اللبنانية الثابتة منذ نشأة لبنان الحديث واقراره دولة ذات سيادة ودستور واليات تداول سلطة واضحة ومكتوبة.
فأول ظاهرة انقلابية تجلت بالضغط على الوزير وليد جنبلاط ووزراء حزبه لتسمية الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة بعدما كان جنبلاط قد قطع امام الرأي العام وفي مجالسه الخاصة وعوداً بأن لا يسمي الا سعد الحريري ثانية وثالثة.
وثاني ظاهرة انقلابية تجلت في تخطي بيان المرجعيات السنية الدينية والسياسية سواء نداء مجلس المفتيين بتأييد اعادة تكليف الرئيس سعد الحريري او لجهة موقف سماحة مفتي الجمهورية الشيخ محمد قباني بتذكية الرئيس سعد الحريري اكثر من مرة وفي اكثر من خطبة او تصريح صحافي وصولا الى بيان المجلس الاسلامي الشرعي الاعلى قبل بدء الاستشارات النيابية الملزمة، والذي اعاد التأكيد على احقية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة العتيدة الجديدة – وانتهاء بموقف الهيئة الشرعية العليا المنعقدة في دار الفتوى بتاريخ 10 شباط 2011 بحضور الرئيس المكلف ميقاتي وما صدر عنها من بيان سياسي اكد ثوابت الطائفة السنية وخطوطها الحمر للمرحلة الحالية كما المقبلة – ومع ذلك كله، لم يجد "حزب الله" وحلفاؤه في "8 اذار" غضاضة من ان يأخذوا المبادرة ويسموا الرئيس نجيب ميقاتي ويفرضوه على ابناء طائفته اولا وعلى "14 اذار" ثانيا – كمن يحاول ضرب الطائفة الواحدة من الداخل وفي ظل تصوير خبيث للمرشح ميقاتي على اساس انه توافقي من دون ان يكونوا قد نسقوا او اتفقوا او تفاوضوا على تسميته مع قوى "14 اذار" وبخاصة الرئس سعد الحريري او "تيار المستقبل" – الممثل الديمقراطي والدستوري والقانوني والشرعي للطائفة السنية منذ انتخابات عام 2009 – وهي صاحبة الحق الدستوري والشرعي في السلطة والحكم انطلاقا من كونها اكثرية نيابية وقانونية افرزت اكثرية شرعية ومشروعة في ادارة الدولة والبلاد.
وثالث ظاهرة انقلابية تمثلت ولا تزال في تخطي اللياقات والاصول التألفية في التعاطي مع المواقع السياسية والدستورية في البلاد – فالعماد عون يتغنى اليوم بالانقلاب الحاصل في ما يسميه الـestablishment ، وهو فرح في اسقاط كل المحرمات واسقاط احترام الطوائف لخصوصيات بعضها واحترام المقامات الدينية وغير الدينية في البلد متناسيا بأنه هو ايضا مع حلفائه من هذه المواقع التي يطالها نفس ريح الانقلاب بخاصة في تعاطي الاخرين معهم بعد اليوم.
فمنذ متى تتدخل طائفة في شؤون طائفة اخرى وفي تعيين احد ابنائها لموقع محفوظ للطائفة؟ نقول هذا الكلام ونحن لسنا مطمئنين الى الواقع الطائفي، ولكن طالما لبنان تركيبة طائفية ومذهبية علينا ان نحترم قواعد التركيبة.
فبأي حق يسمي السيد حسن نصرالله رئيس حكومة عتيد رغما عن وبمعزل عن ارادة الطائفة المعنية ومرجعياتها المعلنة؟
وبأي سلطان تخالف قوى "8 اذار" الصفة التمثيلية داخل الطائفة السنية للرئيس الحريري ؟ فسواء نال 70 او 80 او 60 في المئة من الاصوات فهو الممثل الاول صاحب الكتلة النيابية الاكبر في مجلس النواب ومعه حلفاؤه في 14 شباط – وبالتالي اقله على قوى "8 اذار" ان تستحي من تجاوز الرئيس الحريري وتعطيه اقله حق تعيين من يراه ومن تراه الطائفة لمنصب رئيس مكلف.
فهل بات بامكاننا نحن ايضا ان نختار مرشحي طائفتهم للمراكز الحكومية والبرلمانية والدستورية والوظيفية العامة في الدولة؟
وبأي سلطان تدعي الاقلية في "8 اذار" بأنها باتت اكثرية وهي اقتنصت وسرقت الاكثرية بالقوة والضغط والتهديد. ولم تشكل اكثريتها بالاساليب الديمقراطية في حزيران 2009، بل جاءت من خلال الضغط والسلاح والانتشار الاسود تنقلب على الاكثرية كي تنتزع اكثرية غير شرعية وغير مشروعة وغير حقيقية؟
وبأي سلطان يتبجح المتبجحون في "8 اذار" والعماد عون اولهم لتصوير ما حصل في التكليف انتصارا؟ واي انتصار؟ انتصار الغصب على الحق؟ او انتصار القهر والقمع على الديمقراطية؟ او انتصار العبثية على المنطق والتألف الوطني؟
وبأي سلطان يتجرأون في "8 اذار" اليوم على رفض وانتقاد واظهار مساوئ ما سبق لهم واشعلوا البلاد وعطلوها لاعتماده؟ فالثلث المعطل اقروا اليوم بأنه لا يجدي وليس بدستوري … اقرار بمفعول رجعي منذ تشكيل اول حكومة بعد حزيران 2009 لا بل اقرار بمفعول رجعي ببطلان ما اتفق عليه في الدوحة لجهة منح الاقلية ثلثا معطلا… فاين الرصانة والجدية امام راي عامهم الواعي؟ (هذا ان كان هو الاخر واع عن حق)؟ اقله دعونا نحفظ لهم اقرارهم باخطائهم وتسليمهم بانهم كانوا يطالبون بما لم يكن حقا لهم ولا دستوريا ولا قانونيا ولا مشروعا ما يضفي على المرحلة السابقة منذ اتفاقية الدوحة صفة البطلان وعدم الشرعية باقرارهم اليوم بذلك.
فانطلاقا من هذه الحقائق نرى ما يأتي:
اولا: ان قوة السلاح يجب ان تواجه بعد اليوم بقوة الحق: لان السلاح قوة الباطل والتعطيل ما لم يصوب فقط وحصريا على الحدود في مواجهة اسرائيل من دون سواها – ووحده الحق يعلو ولا يعلى عليه – فنحن في "14 اذار" لم نعد ملزمين وملتزمين بأي موجب سياسي او معنوي او ادبي او وطني لاننا بتنا في المعارضة التي يجب ان تعلم قوى "8 اذار" اصول المعارضة وجديتها وفاعليتها محليا واقليميا ودوليا – وهذه المعارضة مفترض بها ان تنتهج خطة تحرك تتضمن النقاط الاساسية الحالية:
أ- اطلاق برنامج سياسي – وطني – ديبلوماسي لمواجهة الحكومة ورقابتها ومحاسبتها على اسس تفعيل دور نواب الاكثرية القديمة (والتي تبقى حالية بنظرنا اذا ما استندنا الى اكثرية المؤيدين الشعبي لنواب "14 اذار" حتى هؤلاء الذين انكفؤوا باتجاه "8 اذار" مؤخرا)- وممارسة كاملة ومستمرة ومكثفة لحق المراقبة والمحاسبة والمساءلة وسحب الثقة من وزير او حكومة. فطالما يريدون القانون والدستور والديمقراطية، فلنعاملهم كمعارضة وفقا لما يريدون – كذلك انشاء شبكات اتصال وتواصل بين المعارضة الجديدة والقوى العظمى وفقا لقنوات الاكثريات والاقليات المعتمدة في الدول لابقاء الرأي العام على تواصل واطلاع دائم بأي تطور داخلي وبأي كشف للمستور وللنوايا المبيتة وصولا الى عدم الخشية بعد اليوم من تجييش اللبنانيين في الخارج من اجل دعم مسيرة السيادة والعدالة ولقمة الخبز.
ب- اطلاق برنامج اقتصادي واجتماعي كامل ومتكامل ينطلق من مطلبي العدالة والسلاح غير الشرعي ليطل على جمهورنا ببرنامج حكم بديل متكامل وشامل يلبي طموحات وحاجات الناس ويرد على هواجس الشعب وجمهور "14 اذار" وثورة الارز – من هنا اهمية ان تأتي انطلاقة المعارضة في اطار الاعلان عن تشكيل حكومة الظل التي تأخذ على عاتقها مواكبة حكومة اللون الواحد متابعة وفتح ملفات ودراسة وتصدي بالتعاون والتنسيق التام مع نواب الامة من الاكثرية الحقيقية والشرعية اي اكثرية ثورة الارز.
ت- احياء الدور البرلماني الفاعل والضاغط لنواب ثورة الارز داخل وخارج الندوة البرلمانية من خلال تشكيل تكتلات ضاغطة في اللجان النيابية والتصدي بشفافية وعلنية لكافة الملفات ومشاريع واقتراحات القوانين والتقدم باقتراحات ومشاريع قوانين تكرس الثوابت الوطنية التي تم الاتفاق عليها على طاولات الحوار المتعددة لتصدر بقوانين وتشريعات نهائية وملزمة تستعمل للضغط على الحكومة والمجلس النيابي في آن.
ث- اعادة الاتصال والتواصل المباشر بين قوى "14 اذار" وجمهورها من خلال اصدار النشرات التوجيهية الدورية وتعزيز المواقع الالكترونية لهذه القوى لتصبح اكثر اخبارا وتوجيها للجمهور وكشفا للحقائق وقول الحقائق كافة للشعب من دون اخفاء اي امور – وتكثيف اللقاءات الشعبية المنتظمة لشرح الاوضاع والتعبير الديمقراطي والسلمي عن المواقف والضغوط وتسمية الامور باسمائها وفتح ميادين المحاسبة والمحاكمة الجماهيرية للمسؤولين ان اخطأوا او خالفوا الدستور او النظام …
هم استعملوا الى الان قوة السلاح لقلب الموازين لا بل لتزويرها … فقد حان الوقت من جهتنا ان نلجأ الى قوة الحق والشرعية الدستورية التي اولانا اياها جمهورنا الحر والسيادي – كقوى "14 اذار" وثورة الارز كي نخوض معركة الاستقلال الحقيقية والسيادة الحقيقية – التي لا مسايرة فيها لاحد ولا مهادنة فيها لاحد حتى اسقاط منطق التسلط والقمع والانقلاب على النظام والسلطة والدستور كما حققناه في 15 اذار 2005 …
