#dfp #adsense

” الوسطية ” بين التفرد والعزل… والمقاطعة والاحباط

حجم الخط

تمضي عملية تشكيل الحكومة الجديدة قدماً إلى الأمام وسط ظروف وأوضاع داخلية اقل تأزماً وتشجناً قياساً إلى ما كانت عليه في الاشهر الماضية ، فانحسرت اجواء الفتنة وأخذ الصراع منحى "سياسياً" بعدما غلب عليه المنحى الطائفي والمذهبي. ومما لا شك فيه ان هناك هواجس وشكوك ومشاعر قلق واضطراب عند فئة لبنانية اساسية من جراء الظروف والملابسات التي احاطت التطورات السياسية والحكومية الاخيرة من اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري إلى تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، والتحول الذي طرأ على معادلة الحكم مع انتقال الاكثرية من ضفة إلى أخرى وحدوث تغيير جذري و ملموس اعتبره البعض انقلاباً سياسياً ودستورياً أو انقلاباً على اتفاق الدوحة. وقد جاء اللقاء السني الموسع الذي عقد في دار الفتوى برئاسة مفتي الجمهورية وحضور كل وزراء ونواب وشخصيات الطائفة السنية الكريمة قبل يومين ليقول ان هذه الطائفة الاساسية في التركيبة اللبنانية تشعر بالغبن والاجحاف وبأن التغيير فرض عليها بالقوة، ومثل هذه الهواجس مبررة وطبيعية ولكن لا يجوز اتخاذها ذريعة للمقاطعة ورفض فكرة المشاركة في الحكومة العتيدة برئاسة نجيب ميقاتي. فعلى كل القوى والقيادات والاحزاب السياسية وعلى رغم كل ملاحظاتها على العملية الحكومية ان تسلم بمبدأ تداول السلطة خاصة انه تم بطريقة منظمة وغير دموية، وان يبقى الصراع داخل المؤسسات حتى لا ينتقل إلى الشارع ويخرج عن السيطرة. وعلى الجميع ان يشارك في القرار الوطني أياً كانت المعادلة الحكومية، وان ينخرط في اللعبة السياسية حتى لو تغيّرت قواعدها وتوازناتها وهذا طبيعي في نظام سياسي وبلد يتأثر كثيراً بالأجواء الدولية والاقليمية المحيطة به نتيجة تعدد الطوائف والمذاهب والاحزاب والارتباطات السياسية الخارجية…

من هنا يجب إعطاء فرصة للرئيس المكلف نجيب ميقاتي وعندها يكون الحكم على الافعال والاعمال، لأن التشاؤم المفرط والنظرة السوداوية وعمليات التيئيس لا توصل إلى مكان، بل هي غير مقبولة وغير مبررة طالما أننا في نظام لبناني تحكمه خصوصيات وتوازنات طائفية وسياسية، وطالما ان لبنان محكوم بالحوار والتفاهم وليس بإمكان أحد ان يلغي احداً، أو أن يفرض شروطه على الاخرين، وحتى لو كان هو في السلطة وكان الآخر في المعارضة.

واذا كانت التطورات الاخيرة أحدثت خللاً في ميزان القوى الداخلي وتغييراً مفاجئاً لم يقدر كثيرون على استيعابه بعد، فإن ذلك لا يبرر تكرار أخطاء وتجارب سابقة عندما لجأت طائفة لبنانية أساسية (المسيحيون) إلى مقاطعة الدولة والحكم والمؤسسات العسكرية والمدنية والانتخابات واصبحت في حال انكفاء واحباط وعزل وخرجت من المعادلة السياسية منذ 1992 وحتى أوائل 2005… ذلك ان التطورات الاخيرة حملت معها واقعاً جديداً إلى الحكم هو واقع "الوسطية" وهي تجمع بين الرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلف نجيب ميقاتي اللذين سيشكلان ثنائياً متفاهماً وعلاقة تعاون بنّاء ومثمر، لأنهما يتحدران من "مدرسة" واحدة على ما يبدو، مدرسة تؤمن بالحوار والتفاهم وتجمع بينهما القيم الوطنية الواحدة وهما وسطيان بكل ما تعنيه هذه الكلمة من انفتاح واعتدال وحوار.

ليست "الوسطية" تموضعاً سياسياً في منتصف الطريق وانما هي أسلوب عمل ونهج حياة، نهج مبني على منظومة أفكار وقناعات ومبادىء تجعل من صاحبها وحاملها وسيط خير وسلام وداعية حوار وتلاق خصوصاً في ظروف صعبة وحرجة كالتي عاشها ويعيشها لبنان واللبنانيون منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وحتى اليوم… وليست "الوسطية" سياسة اللاموقف والحياد السلبي أو سياسة الوقوف في المنطقة الرمادية وفي الرؤية الضبابية… وانما هي سياسة الموقف المدروس والمسؤول والمتوازن، والحياد الايجابي وسياسة الوقوف في منطقة الحوار والتواصل لتكون جسر عبور من الازمات إلى الحلول، ومن زمن التوتر إلى زمن الاستقرار، ومن زمن التصارع إلى زمن التوافق… والوسطية في لبنان اصبحت حاجة وضرورة في ظل الانقسام الحاد الذي يعيشه اللبنانيون، واكبر مثال على ذلك انه عندما يحتدم الصراع وتُسّدْ الافاق ويعلو التشنج ونلامس الخط الاحمر نفتش عن شخص وسطي يكون مقبولاً من كل القوى السياسية وقادراً على ادارة شؤون البلاد والعباد وهذا ما يؤكد مجدداً النظرية القائلة بأن الوسطية وجدت لحماية الجنوح في المجتمع وهي صنو للاعتدال الذي ينادي به ويريده الناس الذين تعبوا من الاصطفافات.

الرئيس ميشال سليمان في السنوات الثلاث الماضية ومن خلال ممارسته لدوره الوسطي والتوافقي أثبت أنه في معظم القرارات والتجارب الصعبة التي واجهها انحاز دائما إلى المصلحة الوطنية وظل على مسافة واحدة من الجميع. ولأنه التزم بهذين الموقف والموقع، منسجماً مع قناعاته ومبادئه، كان عرضة للحملات والانتقادات من هذا الفريق او ذاك، مثلما كان عرضة للإشادات والاطراءات من هذا الفريق أو ذاك… ومثل هذه التقلبات في مواقف الاطراف تجاه الرئيس سليمان تظهر وتؤكد انه كان على حق وصواب في سياسته وادارته للوضع الصعب والحساس والدقيق وكيفية تعاطيه مع طرفي الصراع بطريقة يلزمها الكثير من الهدوء والحكمة والتروي، وحيث ما كان يراه طرف صواباً وحقاً كان يراه طرف آخر خطأ وخطيئة…

حمل الرئيس سليمان "ميزان الجوهرجي" في النصف الاول من ولايته بين يديه في كل المراحل والاستحقاقات الصعبة التي حاول قدر المستطاع تمريرها من دون خسائر واهتزازات ودماء. ومثلما كان دوره التوافقي اساسياً في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية تحت سقف اتفاق الدوحة، وكان دوره اساسياً وفاعلاً في احتواء أزمة المحكمة الدولية وتفرعاتها تحت سقف قمة بعبدا الثلاثية. فإن دور الرئيس سليمان اساسي في احتواء الازمة الحكومية الراهنة تحت سقف المبادرة السورية-السعودية التي وان توقفت عملياً عند نقطة معينة تستمر في مفاعيلها وفي تغطيتها للوضع اللبناني بغض النظر عن الاكثريات والاقليات.

ما يعزز ويسهل دور رئيس الجمهورية التوافقي والوسطي في هذه المرحلة الصعبة والمصيرية التي عاشها ويعيشها الوطن ، هو تكليف الرئيس نجيب ميقاتي الذي يخوض مهمة تشكيل الحكومة بالتعاون والتنسيق مع الرئيس سليمان وفي كل الخطوات التي يقوم بها بحكمة ودراية ومن دون تسرّع، واستناداً إلى الأسس والمبادىء التي توافق عليها كي تحكم عملية تشكيل الحكومة. لقد اتفق سليمان وميقاتي على ضرورة قيام حكومة منسجمة ومنتجة، قادرة على جبه التحديات والعواصف الاقليمية وعلى ايجاد الحلول السريعة للمشاكل والملفات الاقتصادية والاجتماعية المكدسة وعلى ان لا تضم هذه الحكومة في صفوفها وجوهاً وأسماء تشكل تحدياً واستفزازاً لمشاعر فئة أو طائفة أو مذهب أو فريق، والأهم هو الاتفاق على "الروحية" التي ستحكم هذه الحكومة وهي روحية الحوار والاعتدال والتفاهم وحل كل الخلافات والصراعات بالطرق السلمية حيث لا مكان للانتقام السياسي ولا للكيدية السياسية ولتصفية حسابات شخصية بل تطبيق مبدأ الثواب والعقاب بعدل وشفافية، ووقف الفساد المستشري في بعض مؤسسات الدولة على كل الصعد، وعدم الاستقواء على الموظف الضعيف وغير المدعوم سياسياً والذي لا يكفيه راتبه الشهري لأعالة عائلته، وتجاهل الموظف الفاسد والمرتشي والمدعوم سياسيا وتركهً يعيث فساداً وسرقة من المال العام في الدولة، وكذلك اقفال صناديق الهدر حتى لا نقول اكثر، من صندوق المهجرين إلى صندوق الجنوب وغيرهم من صناديق تحوم حولها نقاط استفهام كثيرة.

لقد عكس الرئيس ميقاتي فعلاً هذه "الروحية" في التعاطي والتصرف منذ اليوم الأول لتكليفه. فلم يتوانَ في تهدئة النفوس القلقة والمشاعر المضطربة، ولم يتأخر في ارسال اشارات التطمين وفي اشاعة اجواء الارتياح بأن حكومته ليست حكومة للانتقام ولألغاء الآخر وانها ستراعي الخصوصيات والتوازنات ومقتضيات العيش المشترك وستحترم وتلتزم القرارات الدولية ولا تبحث عن مشكلة واشتباك مع المجتمع الدولي… ومثلما نجح ميقاتي في استحواذ بعض الثقة والارتياح في الداخل وهو ما انعكس على الاجواء العامة التي تراجع فيها الاحتقان والتشنج ومناخ الفتنة، نجح ايضاً في الحصول على تشجيع دولي هو في طريقه إلى التبلور والوضوح أكثر في ضوء ما سيكون عليه برنامج الحكومة وما تثبته من قدرة على الايفاء بالتزامات لبنان الدولية.

رغم كل ما قيل و يقال عن الحكومة العتيدة ، وكل ما يثار حولها من غبار سياسي كثيف ومن شكوك واتهامات، فاننا نقول بأن هذه الحكومة آتية بمهمة اساسية محددة هي استيعاب ومعالجة تداعيات ومفاعيل القرار الظني الصادر عن محكمة دولية مستمرة بإرادة دولية ولا تلغى الا بقرار دولي.

ان الحكومة لا تنجح في مهمتها الا اذا اتبعت قواعد الحوار والانفتاح وحفظت التوازنات والخصوصيات اللبنانية… من هنا فعلى الاكثرية الجديدة ان تدرك ان سياسية التفرد والاستئثار والعزل والالغاء ستزيد من الحقد وستوصل إلى طريق مسدود، وعلى المعارضة الجديدة ان تدرك ان سياسة المقاطعة والسلبية توصل إلى الاحباط والعزل والخروج من المعادلة. ان لبنان بلد قائم على الاعتدال والحوار والتواصل والتوافق بين طوائفه منذ الاستقلال وحتى اليوم، وان "الوسطية" اثبتت حتى اليوم أقله وخصوصاً في السنوات الاخيرة الماضية انها الأسلم والانسب في هذه المرحلة وفي كل المراحل الصعبة والدقيقة، وهي كما قال نجيب ميقاتي في منتدى الوسطية : انها الناظم الحقيقي لمعادلة العيش الواحد وتوازنات الحكم في الدولة وهي الضامن الحقيقي للوحدة الوطنية.

من هنا على كل القوى السياسية في لبنان ان تعرف جيداً بأن الحق المطلق ليس بيد طرف منها، كما انه ليس هناك فريق في لبنان تقع عليه كل الاخطاء والخطايا، فالجميع اخطأ والجميع كابر والجميع رفع الصوت واللهجة وفي النهاية كنا نعود إلى لغة الحوار والمنطق والعقل والاعتدال والبحث عن رجل وسطي توافقي ليلعب دوراً اساسياً في المعادلة اللبنانية… اليس هذا ما حصل في مؤتمر الدوحة وجاء الاتفاق على انتخاب الرئيس ميشال سليمان رئيساً توافقياً للبلاد؟ واليس هذا ما حصل بالامس القريب عندما لامست الامور الخط الاحمر وكادت الامور تتفلت من ضوابطها عندما أختير نجيب ميقاتي رئيساً توافقياً للحكومة؟

وفي النهاية لا بد من طرح سؤال مهم يدور في عقول اللبنانيين الذين عاشوا ثلاثين سنة من الحروب وسنوات الاحتلال و الوصاية والاغتيالات والصراعات السياسية والدموية وسئموا الفساد في السياسة والوجوه نفسها التي "تتناسل" من الاجداد إلى الاحفاد.

ألم يحن الوقت بعد لأطلاق تيار "الوسطية" في لبنان؟

أنه سؤال كبير برسم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل