أخطر شِرك جرت محاولة إيقاع الحركة الإستقلالية به كان الضياع والتشتّت في متاهات "المزاوجة" العبثية بين "العدالة" "والإستقرار". فهذه المزاوجة "النظرية" تستر عملياً نقض الإثنين معاً، أي هدم العدالة بمعول الإستقرار، وتهافت الإستقرار ما أن تسحب منه العدالة.
كما أنّ الإغتيالات السياسية المتسلسلة كانت الأداة الإرهابية المحورية لحرب أهلية وتدخّلية من جانب واحد خيضت ضدّ حقّ الشعب اللبنانيّ في تقرير مصيره وإنجاز مصالحته وتحقيق كيانه وإحياء دولته، ولتحطيم ما حقّقه هذا الشعب من مكتسبات على هذا الصعيد، ولجعله يتندّم على الساعة التي خرج فيها يرفض الظلم وينتصر للمدن الجريحة فيه ويطالب بحقه في أن يعيش كالآخرين في دولة لها ما للدول الأخرى وعليها ما على الدول الأخرى.
ولّما كانت الإغتيالات المتسلسلة جزءاً محورياً من حرب أهلية وتدخّلية من جانب واحد أصبحت قضية وضع حد للإغتيالات في لبنان وتجاوز مركزية العنف في الحياة السياسية والأهلية اللبنانية هي القضية الوطنية الكيانية بإمتياز، أي هي المحور الذي تتقاطع من خلاله كافة العناوين الرئيسة لهذه القضية الوطنية، فالمسألة ليست "شكلية" ولا "معنوية" كما يبثّ البعض، ولا هي "ثأرية" كما يزعم البعض الآخر، إنّما هي، في الأساس، قضية وضع حدّ للحرب الأهلية والتدخّلية من جانب واحد، ولكافة أشكال "عدم توقف" الحرب الأهلية منذ إنتهائها الرسمي وإلى اليوم.
وهذا الأمر من اللازم أن تصقله الحركة الإستقلالية في وعيها أكثر فأكثر. إنّ شرعيتها كحركة إستقلالية يكمن في ظهورها كحركة إنهاء الحرب الأهلية والتدخّلية المخاضة من جانب واحد وتجاوز مركزية العنف وسطوته على الحياة السياسية والأهلية اللبنانية. أمّا التناقض الأساسي داخلياً بين هذه الحركة الإستقلالية وبين المشروع الهيمني الفئوي المسلّح والمؤدلج بلغة الظلام، فمردّه إلى أنّ المشروع المسلّح هذا هو النقيض للإستقرار من حيث طبيعته، بما في ذلك الإستقرار المؤمّن بشروط الديكتاتورية المذهبية. المشاريع الهيمنية السابقة في تاريخ هذا البلد كانت تعرف وتحاول وتنجح موقتاً أيضاً في إحلال هيمنة طائفية مستقرّة لأنها كانت تدرك جيداً وجوب السعي وراء المزاوجة بين الهيمنة الفئوية وبين الإستقرار للجميع، وأنّ الهيمنة الفئوية لا تكون مستقرة إلا حين تستطيع تأمين الإستقرار للجميع. أما مصيبة المشروع الفئوي الحالي الذي تواجهه الحركة الإستقلالية بثلاثيتها المتشكّلة من القوى الأهلية التقليدية والطبقة السياسية والمجتمع المدني، فهو أنّه مشروع لا يرمي إلى إحلال إستقرار فئوي وإنما فرض سيطرة فئوية نافية لكل إستقرار، بما في ذلك إستقرارها هي.
فهذا المشروع الهيمني الفئوي الحالي ليس ثورياً على صعيد تعاطيه مع الداخل اللبناني، إلا طبعاً في المخيلة المريضة لأيتام الدوغما التوتاليتارية الذين يتعاطون مع حزب السيطرة الفئوية عندنا كما لو أنه حزب ماركسي لينيني يقود حركة تحرر وطني تعمل على تحقيق فك الإرتباط المنشود مع الإمبريالية. وهذا المشروع ليس إصلاحياً على صعيد تعاطيه مع هذا الداخل، بمعنى أنّه لا يمكنه أن يقتنع تدريجياً بوجوب الإنخراط في العقد الميثاقي وإعتناق الفكرة الكيانية اللبنانية.. إلا طبعاً اذا حدث تغير نوعي في طبيعته يحمله على هذا. وهذا المشروع ليس محافظاً بمعنى أنّه يريد إبقاء المجتمع اللبناني والمعادلات اللبنانية كما هي مع تنمية مجتمعه الخاص ومعادلاته الخاصة في الموازاة، بالتشابك حيناً والإشتباك حيناً آخر. إنّ ما يعمل عليه هذا المشروع ليس تثوير الواقع اللبناني ولا إصلاحه من الداخل ولا المحافظة عليه مع الحد من رقعته. ما يعمل عليه هذا المشروع هو تقويض النظام الدستوري اللبناني متكئاً في ذلك على عناصر العطب الكثيرة في موارد شرعية هذا النظام، وذلك لأجل ترسيخ نظام الحرب الأهلية والتدخلية المخاضة من جانب واحد ضد الشعب اللبناني بعد إستقلاله الثاني، والتي سبقتها مناخات من عدم إنتهاء الحرب الأهلية منذ توقفها الرسمي وإلى اليوم.
إن النظام الأمني الجديد الذي يعمل المشروع الفئوي ورعاته على التأسيس له بدءاً من إنقلاب "القصمان السود" سيكون إذاً مرحلة أكثر تطرفاً في نظام الحرب الأهلية والتدخلية مخاضة من جانب واحد.
وفي المقابل، فإن إنهاء هذه الحرب الأحادية يشكّل عنوان العناوين في برنامج الإستقلاليين اللبنانيين، وعليهم وعي ذلك وترجمته على نحو عمليّ أكثر من أي وقت مضى، وهذا ما لن يتأمّن دون مساحة وافية من النقد الذاتي الحقيقي للمرحلة الماضية، وخصوصاً لجهة أزمة العلاقة بين المكوّنات الثلاث للحركة الإستقلالية أي القوى الأهلية التقليدية والطبقة السياسية والمجتمع المدني، ولجهة أزمة العلاقة بين طبيعة الحركة الإستقلالية كإتحاد طوائفي وبين طبيعتها كحركة مدنية ديموقراطية، ولجهة أزمة البرنامج الإجتماعي الضروري لمواجهة المزايدات الشعبوية للمشروع الهيمني الفئوي، وأيضاً، وربما قبل كل شيء أزمة العلاقة بين انتساب هذه الحركة الإستقلالية لحركة التوسع الديموقراطي بإتجاه الشرق وبين إنتسابها إلى خطّ الإعتدال الإستراتيجي، أي إلى الصراع من أجل التسوية في الشرق الأوسط.
هذه هي العناوين الأربع للأزمة البنيوية داخل الحركة الإستقلالية، ولا أحد يملك مفاتيح سحرية لمعالجتها، وهي تنم في عن خليط من المحددات الموضوعية ومن أخطاء في تنظيم أو توجيه المساحة المتروكة للعامل الإرادي والتقريري في السياسة، فضلاً عن المشكلة الذهنية الكامنة أساساً في كل حركة تسعى إلى حصر السياسة في الطبقة السياسية، وإبقاء المشاركة السياسية للقوى المدنية والأهلية خارج هذه الطبقة السياسية في حدود مضبوطة، بل هامشية.
مع ذلك وبرغم كل هذه التحديات الأساسية، تبقى الحركة الإستقلالية اللبنانية، حركة الرابع عشر من آذار، نموذجاً إستثنائياً في تاريخ التحالفات اللبنانية، وإطاراً كفاحياً بإمتياز لأجل إنهاء الحرب الأهلية المستمرة، وقاعدة تأسيسية لعملية تحقّق الكيان اللبناني في دولة، والعبور من ثمّ إلى هذه الدولة.