طالما انه شهيد كل لبنان
لماذا لا يُشارك 8 آذار في ذكرى استشهاد الحريري
ما دام لبنان لم يخرج بعد – ولا اظنه سيخرج – من الحالة الطائفية المذهبية التي تسيطر عليه في الدستور والقوانين والاحوال الشخصية والادارة ومجلس النواب والحكومة والرئاسات الثلاث الاولى.
وما دام رجال الدين يزاحمون رجال السياسة على السياسة والمناصب وتأليف الاحزاب الطائفية والمذهبية، واعطائها، تمويهاً، لباسا او وجها مدنيا.
وما دام هذا البلد يقوم على التعددية الدينية والثقافية، وتشعر كل طائفة او مذهب فيه انها مهددة بوجودها وحرياتها، بسبب السلاح او المال او العدد، او بدعم من قوى عربية او اقليمية او دولية.
بسبب جميع هذه المعطيات الواقعية، وما يتفرع عنها من احداث مرتبطة ارتباطا وثيقا بأصل المشكلة، التي هي بكل صراحة ووضوح وصدق، ان لبنان ليس دولة لشعب واحد موحد، بل هو عبارة عن مجموعة طوائف ومذاهب متنافرة مختلفة عن بعضها بعضا بالدين والثقافة والتوجه والنظرة الى الوطن، فهل هو بلد للمسلمين او للمسيحيين، واذا كان للمسلمين فهل هو للسنة او للشيعة او الدروز، واذا كان للمسيحيين فهل هو للموارنة او الروم او الكاثوليك او للمذاهب الاخرى القليلة العدد.
اما اذا كان هذا الوطن لجميع هذه الطوائف والمذاهب دون تمييز بين واحدة واخرى، او دون هيمنة واحدة على اخرى، او دون قهر واحدة لاخرى، وهناك اصرار من الجميع على العيش معا، وتقديم المواطنة الصحيحة الكاملة الاوصاف والمعايير على ما غيرها، فإن هذه الحالة لكي تنجح وتستمر يلزمها شرط واحد وحيد، على الجميع الالتزام به وعدم خرقه تحت اي ظرف من الظروف او تحت اي حجّة او ذريعة وهذا الشرط هو وجود دولة واحدة قوية عادلة ترعى الجميع بالعدل والقسطاس، وتحمي الجميع بأمانة ونزاهة، ويكون مطلق سلاح على مساحة الوطن كله، بمعرفتها وامرتها وبقرارها الوطني السيّد، وبخلاف ذلك سيبقى السني والمسيحي والدرزي والشيعي يرتاب الواحد بالآخر، ويخافه وربما يتآمر عليه، ويفتش عن اي وسيلة للحماية طالما ان الدولة عاجزة او غير قادرة لالف سبب وسبب.
عندما انسحب وزراء حركة امل وحزب الله من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى، قيل يومها ان حكومة السنيورة بتراء وغير شرعية لان مذهبا بكامله او بأكثريته الساحقة اصبح خارج الحكم، علما بأن هؤلاء الوزراء خرجوا بقرار منهم ولم يخرجهم احد، والكل يذكر ان المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وقف بحزم الى جانب الحركة والحزب لأنهما يمثلان الطائفة الشيعية فلماذا يعتبر البعض اليوم ان اجتماع السنة في دار الافتاء هو اجتماع فتنة وتصعيد، مع انه احتجاج جماعي على ضرب المعايير التي تحكم العيش المشترك، باعتبار ان هناك قصرا وتعمدا في اقصاء ممثلي الاكثرية الساحقة من السنة عن تشكيل الحكومة او عن المشاركة فيها، وتجدر الاشارة في هذا المجال الى ان العماد ميشال عون الذي نسي «شو في بـ14 شباط»، اقدم وبتشجيع من حلفائه الاخرين على الدعوة الى اجتماع مسيحي موسع ضم ما هبّ ودبّ من مسيحيي 8 اذار، ليشكلوا معارضة في وجه البطريرك الماروني نصرالله صفير ومسيحيي 14 اذار ومسلميها، كما ان مسيحيي 14 اذار، وفي ظروف مختلفة، اجتمعوا وناقشوا الاوضاع المتأزمة يومها واصدروا بيانا وطنيا يشبه في مضمونه البيان الوطني الذي صدر عن اجتماع دار الافتاء، وعن المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولذلك فإن الاجتماعات الطائفية والمذهبية المرفوضة من حيث المبدأ، الا انها تعبير طبيعي عن الواقع الطائفي الذي يحكم البلد، ولذلك فإن المهم ان البيانات او المقررات او النداءات التي تصدر عن هذه الاجتماعات، تكون ذات مضمون وطني، لا يعبّر عن موقف مذهب معين او فئة معينة، بل عما تريده اكثرية المواطنين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، وهذا توجه احترمه بيان اللقاء السني في دار الافتاء الى اقصى الحدود.
* * *
لا بد في النهاية من طرح عدد من التساؤلات التي لا تجول في خاطري وحسب، بل في خواطر معظم اللبنانيين، وتتركز تحديداً على يوم 14 شباط ذكرى اغتيال رئيس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري والنائب الشهيد باسل فليحان وعشرات الشهداء والابرياء الذين استشهدوا معهما، فكان يوم 14 شباط الدامي مدخلا او معبرا لانتفاضة 14 اذار السلمية التي غيرت وجه لبنان والمنطقة.
من هذه التساؤلات، السؤال الآتي الى قيادات وجمهور 8 اذار: لماذا لا يشارك تكتل 8 اذار وجمهوره في احياء هذه الذكرى، مع اللبنانيين الاخرين الشركاء في الوطن، طالما انكم تعتبرون ان الرئيس رفيق الحريري هو شهيد كل طائفة ومذهب في لبنان، وهو ليس شهيد تيار المستقبل او شهيد تكتل 14 اذار او شهيد السنة، وان اغتياله والاغتيالات التي لحقت هي مؤامرة اميركية – اسرائيلية لضرب المقاومة وزرع الفتنة في لبنان، الا تشدكم هذه المناسبة الى موقف وطني موحّد قد يحمل في طياته ونتائجه انفراجا كبيرا في لبنان؟
سؤال بسيط، في ايام صعبة، قد يبقى كغيره صرخة في واد.