#dfp #adsense

عن “ثلاثية” 14 شباط

حجم الخط

حسناً فعلت قوى "14 آذار" في تركها مجمل ما ينتظره منها الرأي العام الداخلي والخارجي الى هذا اليوم لتجيب عليه بما يتلاءم وحجم المناسبة ومدى ما لحق بها وبالوضع اللبناني من متغيرات. اذ ان 14 شباط هذه السنة تختلف للمرة الاولى عن سابقاتها في السنوات الخمس الماضية بثلاثية فوارق تشكل في ذاتها اختصارا للصراع الهائل الدائر بين "الثوابت المبدئية" والسياسات المتحركة والمتغيرة، والذي يتحكم به اولا واخيرا ميزان القوى المتقلب.

أبرز الفوارق والمتغيرات واولها في الصدارة هو ان قوى "14 آذار" تحيي الذكرى السادسة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري غداة تحولها "أقلية معارضة" بعدما احتلت خمس سنوات موقع "الأكثرية الموالية". وسواء بـ"طعنة" نجلاء من 11 نائبا انقلبوا عليها بفعل ترغيب او ترهيب او اقتناع، او باخطاء ذاتية في ادارة الصراع، او باختلال حتمي كان يبدو جليا في ميزان القوى الدولية والاقليمية والعربية والداخلية، فالامر بات مقضيّاً. ويلح هذا التغيير على قوى "14 آذار" عموماً، والرئيس سعد الحريري شخصيا، في مغادرة "عصر الصمت" وطيّه لمواجهة قواعد هذه القوى، وعبرها مختلف الفئات اللبنانية بالجهر العلني الفصيح من دون اي تحفظ او تردد لرؤيتها التفصيلية لاسباب هذا الانقلاب الدراماتيكي ودوافعه وما بعده. واذا كان تاريخ لبنان الحديث والقديم شاهداً على عشرات التجارب من التقلبات والانقلابات المشابهة، فإن "فرادة" الافصاح في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري تنبع من بُعد يتخطى العامل العاطفي الدراماتيكي الى حقيقة سياسية ثابتة، هي انه مهما صحّ في تحميل قوى "14 آذار" نفسها من مسؤولية عن عدم استدراك "الطعنة"، فإن المضي في المنحى التقهقري إن حصل يعني بكل خطورة انهيار النظام الديموقراطي عن بكرة ابيه في لبنان، فيما يستيقظ مارد الثورات في العالم العربي.

الفارق الثاني الذي يكتسب دلالة في هذا اليوم هو اعطاء ذكرى 14 شباط دلالة رمزية و"وجدانية" اذا صح التعبير، في اعتبارها ذكرى سائر شهداء "ثورة الأرز". ولعله من أسف شديد ان أسوأ الأسوأ في الانقسامات اللبنانية ان تطارد هذه اللعنة مفهوما بديهيا واخلاقيا اساسيا هو التوحد امام الشهادة. في مثل هذا اليوم قبل ست سنوات اغتيل الرئيس رفيق الحريري بأبشع صور التصفيات الهمجية والارهابية مع مجموعة شهداء آخرين من بينهم الوزير السابق باسل فليحان، وخطَّ ذلك الاغتيال تاريخاً مدلهماً لا يمحى مع تلاحق فصول حرب التصفيات السياسية والصحافية مع اصطياد دموي مريع تباعاً لنخب في السياسة والصحافة. ولمن أسف أشدّ، ان هذه الحرب المنهجية تعرضت لامتهان الضحايا، واحيانا لما يتجاوزه، في التعامل معها عبر امتهان لم يقتصر على القوى السياسية الحاملة لواء احقاق الحق لأصحاب الشهادة، بل طاول حتى الشهداء انفسهم. ولولا "اعجوبة" يصعب تفسيرها في هذه العجالة، لكان ذلك وحده مثار خطر شديد في اشعال العصبيات والاحقاد والاضغان التي يخلفها هذا الهبوط المخيف في التعامل مع قضية بهذا القدر من مسِّ ما يرقى الى "المقدسات". وربما تشكل ذكرى "جامعة" للشهداء اليوم بعضاً مما يجب ان يوقظ الذاكرة تكرارا، على ان لا مرور لأي دولة او سلطة مرورا آمنا ما لم يبدأ "باعتراف تاريخي" بلا اي مداهنة او مكابرة او غطرسة، بأن دماء هؤلاء الشهداء، اسوة بالشهداء في مواقع التحرير، صنعت "الاستقلال الثاني".

اما الفارق الثالث، فهو ان ذكرى 14 شباط ستحل عشية صدور القرار الاتهامي في قضية الرئيس رفيق الحريري، بما يرشحها مبدئيا لان تكون المحطة الاخيرة ما قبل "بداية" انكشاف "الحقيقة". ونقول البداية، لان معايير العدالة نفسها تفرض هذا المعيار، لكون القرار ليس حُكْماً، ولكون المتهم يبقى بريئاً حتى تثبت ادانته. في ذلك تكتسب 14 شباط هذه وبُعداً شديد الرمزية وان كان الانفعال السياسي سيطغى على هذا التزامن. اذ، بصرف النظر عن كل المجريات الداخلية، ليس تطوراً أقل من استثنائي في تاريخ الاغتيالات ان يطل "قرار اتهامي" اول بعد ست سنوات من اندلاع حرب الجرائم المنظمة، وهي "استثنائية" لا تتعلق بكل العداء الداخلي المتنامي عشية هذا التطور المرتقب، بل بالمبدأ وحده، مبدأ إحقاق الحق والعدالة، حتى لو غدا من يطالبون به ويرفعون لواءه "أقلية" في ميزان القوى الجانح.

المصدر:
النهار

خبر عاجل