في العام 1994 قمت بزيارة تعارف الى العميد ريمون إدّه في منفاه الطوعي في باريس، يومها كنت لا أزال هناك في المقلب الآخر.. استمرّ اللقاء زهاء اربع ساعات ونيّف لم أسمح لنفسي بالكلام لأكثر من عشر دقائق، والباقي كان للعميد الذي أدهشني بسعة ذاكرته ومعلوماته خصوصا القانونية والدستورية منها، أصرّ على تكرار عبارة “صاحبك قبل بالطائف”…
يومها لم ينتابني التأثير بالهوى السياسي للعميد، اقتنعت ولم أقتنع بما قاله ولكن لم أتمكن من منع نفسي عن البحث جدياً بكلّ ما أورده على مسامعي، واليوم بعد مضي سبعة عشر عاما على ذاك اللقاء الأول استعيد ذاكرتي مع العميد الذي استشرس بالكلام دفاعاً عن البطريرك صفير، مكرراً عبارة “رح تندمو عكلّ شي عملتو بالبطرك”… كما ردّد أكثر من مرة عبارة: “هذا البطريرك سيدخل التاريخ من بابه العريض”…
بعد مرور 25 سنة على اعتلاء نصرالله صفير سدّة الكنيسة المارونية، بات الكلام يطيب ويزهر ويزهو معه استعادة الذكريات والمذكرات الأليمة منها والمؤلمة، يوم الأثنين 17/1/2011، كنت الضيف الأول على الكرسي المحاذي لكرسي الكاردينال… استعدنا محطات طويلة، وتذكرّت بحضرته ما قاله ريمون إدّه… ضحك البطريرك مازحاً معي كما عادته وروحه المرحة وعنفوانه الطيّب الممتزج بالتواضع… وأردف قائلاً : “25 سنة مطران و25 سنة بطرك واللّي مرّ عليّ ما كان هويّن”… ولم ينس سيّد الصرح تذكيري بحادثة الاعتداء على شخصه وعلى الكرسي البطريركي…
استشفيّت أنّ هذه الحادثة التي حملت في ثناياها خزي وعار كانت الأفظع طوال سنوات بطريركيته… كيف لا وهي فعلاً لا تُنتسَى لفظاعتها وبشاعتها…
أي حفلة جنون كنّا فيها… وأيّ منطق وعقل وضمير يسمح بتوجيه تظاهرة شبابية غاضبة حملت نار الحقد في عيونها وألهبت الصرح البطريركي… لا أنسى ذاك المشهد الذي أجبر خلاله ثلاثة شباب النائب البطريركي العام المطران رولان ابو جودة على تقبيل صورة عون…
عن تلك اللحظة الحرجة والمحرجة من عمر الموارنة… لا بل دعوني أقول من عمر لبنان… لم ينفع وصول ملهم المتظاهرين ومحمسّهم بعد مرور أكثر من ساعتين على الهجوم ــ الغزو الى الصرح، كان سيّده قد ترك باتجاه المقرّ الصيفي للبطريركية المارونية على الرغم من أن الموسم كان خريفاً وأنّ الصقيع والبرد القارس يلازمان الديمان حتّى لساكنيها بشكل دائم، ولكن كان واضحاً أنّ البرد والثلج والصقيع لفحهم أقلّ ضرر وشراسة على جسم البطريرك الماروني من أحقاد أهل البيت ومن زعيم مسيحي طرح نفسه البديل في زمن كان لبنان بأحوج أزمنته الى رجال حكماء وليس الى مقامرين يغامرون في المجهول.
ولكن ما سرّ هذا البطريرك؟ وكيف استطاع بهدوء مواقفه أن يُشعل ثورة بيضاء عمّم أنموذجها على مختلف اللبنانيين…
والعميد ريمون إدّه الصائب المصيب في آرائه، اقترب سياسياً من عون في المراحل الأولى لتولي الرجل رئاسة الحكومة الانتقالية الاّ أنه لم يمكث طويلاً في هذا المسار لاكتشافه أنّ عون يلعب بالمصير، ولم يخطئ العميد لكون ما نبهّ منه وصلنا اليه…
لعلّ استشراف ريمون إدّه واكتشافه للخديعة قبلنا بسنوات يستحقان أن يعود بعضهم الى ثقافة الإدّاوية خاصة ممن عرفوا العميد وواكبوه وبعض منهم اليوم يوالي عون، ريمون إدّه كنتَ على حق هذا البطرك دخل التاريخ وضمير اللبنانيين.