التحولات السياسية التي فرضها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأدت في ما بعد الى انجاز ما كان اللبنانيون يظنون انه شبه مستحيل، تبدو اليوم وفي ذكرى استشهاد الرئيس الحريري مهددة اكثر من اي وقت مضى بفعل سياسات فريق الحزب الحاكم وملحقاته.
14 شباط 2011 ليس محطة للحديث الوجداني لكنه حتما محطة للانطلاق الى المستقبل. فهذا اليوم يأتي في خضم متغيرات محلية تضع فكرة لبنان الرسالة الاسلامية المسيحية، والعيش المشترك والاعتدال كله على حد السكين. سياسات "حزب الله"، الذي سرق البلد تحت تأثير السلاح وبالتهديد، تشي بأن لبنان صار محكوما بالرأي الواحد وهذا ما لم يؤمن به رفيق الحريري.
الرئيس الشهيد دأب على الاعمار و"حزب الله" حرص منذ نشأته على افتعال كل ما يمكن لاستجرار الحرب، وكل ذلك يصب في خانة تخريب الوطن وابقائه في مستنقعات التأخر والرجعية. الرئيس رفيق الحريري اتخذ من العلم سبيلا لتأهيل جيل جديد قوامه 35 الف طالب من كل المناطق والطوائف وكان رائده في ذلك فكرة نشر التنمية. "حزب الله" قابل ذلك بجيش يزيد على 35 الف مسلح وميليشياوي يحملون صواريخ الحقد والجهل والتبعية العمياء للولي الفقيه.
للحريري اياد بيضاء في كل مكان ولـ"حزب الله" اياد سود تلوثت عندما قتل ابناء جلدته في الضاحية الجنوبية واقليم التفاح وغيرها من المناطق، وهو إذ يغرق في مزيد من العنجهية، فإنه يستسهل رفع شعار المقاومة الزائف ليحسن استغلاله في نقل الثورة الايرانية الى لبنان.
الرئيس الشهيد قدم مشروعا اقتصاديا للنهوض فكانت نتيجته جائزة كونية من الامم المتحدة نالها بجدارة واستحقاق عن مشروع اعادة اعمار لبنان. للحزب الالهي مشروع اقتصادي عبارة عن صفحة لم يكتب فيها اي حرف يموله بالمال الطاهر المهرب في الحقائب الدبلوماسية والصناديق الحديدة الداخلة عبر المعابر الحدودية غير المراقبة. لم يقدم صاحب الاصبع المرفوع دوما ولا مرة كلمة يشرح فيها مشروعه الاقتصادي، ولم نسمع عن فلسفته الا قضايا غسل الاموال.
في السياسة، كان هاجس رفيق الحريري التخلص من الفوارق الطائفية والوصول الى السيادة وبناء دولة المؤسسات بعد التخلص من التبعية لنظام فاسد يرفع شعار الممانعة جهارا ويفاوض العدو الاسرائيلي من تحت الطاولة متزلفا مرة ومتوسلا مرات. الحزب الالهي سعى بكل جهده لتكريس هذا الواقع الذي رفضته غالبية البنانيين وهو اليوم سيسعى الى تجديده وإن بصورة مختلفة.
في كل المحطات التي تلت اغتيال العملاق كان الصغار يسعون الى ترخيص دمه ومحو كل انجازاته والاطاحة بسبل معرفة حقيقة، هم انفسهم يعرفونها جيدا. كل ما فعلوه من 8 أذار 2005 الى اليوم محطات سود تشهد عليهم ولا تبرئهم في نظر الرأي العام، لقد أدانوا انفسهم بمسيرة طويلة من السلوكيات المفضوحة التي طالما مرروها بالاستقواء على الآخرين لأن في يدهم سلاحا. ولأن 14 شباط 2005 كان مولدا لديناميكية سياسية أخرجت لبنان من تحت جناح النظام السوري، فإن 14 شباط 2011 يجب ان يكون مولدا لحركة جديدة تخرج "بلد رفيق الحريري" من تحت سطوة الحزب الحاكم وترمي هذا الأخير في مزبلة التاريح مرة وللأبد.
نعم، قد لا يكون من داع لمحكمة لا محلية ولا دولية لتدل على قتلة رفيق الحريري فأفعالهم تفضحهم، وهم لا يتصرفون الا بأمر الولي، اللعبة انكشفت.