#dfp #adsense

رسالتي الى صحافي مرتزِق (بقلم بيار نجم)

حجم الخط

سيّدي،
أهنّئك، من كلّ قلبي أهنّئك، فقد أذهلتني…
حتّى اللحظة التي قرأت فيها مقالك الأخير، كنت أظنّ أنّ مرتزقة الصّحافة كانوا قد وصلوا الى آخر درك إسفافهم، وأنّ أقلام الهزء والتّجريح بالكرامات وبالمقامات قد بلغت أقصى حدودها، وأنّ هيكل أخلاقيّات الصّحافة قد سقط على رؤوس فرق الشّتّامين الذين يدعون أنفسهم زوراً صحفيّين. لقد أذهلتَني إذ أدركتُ أنّه يمكنك أن تنحدر كلّ يوم نحو درك أعمق بكثير من درك اليوم السّابق، وأنّ إسفافك لا حدود له، وأنّك لم تعد قادرا على التّميّيز بين حرّيّة التّعبير والإهانة، وبينهما مسافة صغيرة جدّاً، وحده صاحب الأخلاق يقدر على تمييزهما.

سيّدي، لن أستخدم طريقة الهزء والتّهريج التي استعملتها أنت في كلامك عن بطريرك الموارنة، عن السيّد البطريرك. لن استخدم قلمك، فهو سفيه، ولا عباراتك، فهي دون مستواي. لن أشتمك، لئلاّ أجعلك ضحيّة تتأوّه عليها جماعة الشّتّامين المأجورين، ومن باع ضميره بفلس، أو بمركز.

وكنت أوّد ألاّ أردّ على إسفاف كتبته، تسمّيه مقالاً، وكلّ مقال تكتبه، سيّدي الكريم، هو طعنة إضافيّة في جسد مهنة الصّحافة الشّريفة التي تسقط كلّ يوم تحت مقالات المأجورين الوصوليّين. كنت أودّ ألاّ أجيبك، ولكن يبدو أنّ صمت من تجرحهم كلّ يوم بكلامك وبمقالات دون المستوى، قد أوحى اليك أنّهم خائفون. إن لم نجب حتّى اليوم، فلأنّك مجرّد فتى يهرّج في الأسواق، وغلام نعلم أنّ آخرين لقّنوه الكلام. نعرف أنّك رجل يسعى الى لقمة العيش، والمقالات النّزيهة لا تدرّ المغانم، وحدها المقالات المأجورة تقدر على جلب ثلاثين وثلاثين من فضّة كلّ يوم.

نعلم كلّ هذا، ولذا لم نجب حتّى اليوم. نعرف أنّ بأمثالك صحّ قول أحدهم: "لماذا أشتري الصّحيفة إن كان بإمكاني شراء الصحافي؟".

ولكنّ الكيل قد طفح: احتملنا تجريحك باسم حرّية التّعبير، صبرنا على حقدك باسم حقّ الإختلاف، آملين أن يصل اليوم الذّي تفقه فيه الفرق بين الحقّ بالإختلاف وبين الذّمّ والتّجريح الشّخصّي، ولكنّ ذلك اليوم تأخّر. لهذا نقول لك أيّها الصحافي المرتزِق، قد آن لك أن تخجل؛ إن صَمَتَ عنك الكبار، فلا خوفاً منك، بل خشية إعطائك قيمة لا حقّ لك فيها، فأنت لست من صانعي التّاريخ كالكبير الذي تشتمه، ما أنت إلاّ صُدفة تاريخيّة شاءها عبث القدر، ولا بدّ أن تندثر. فاصمت بالله عليك، كفاك انحداراً، كفاك رشوة.

تدّعي أنّك قلق على دور الموارنة، نشكر لك اهتمامك بوجودنا وبدورنا. وبدوري أقول لك: من حسن حظّ الموارنة أنّ بطريركهم شجاع، ثابت، لا تتغيّر ثوابته بحسب أهواء السّياسة. جلّ ما يزعجكم فيه هو ثباته منذ بيان المطارنة الإستقلاليّ، البذرة الأولى لثورة الأرز، حتّى اليوم. من حسن حظّنا ولسوء حظّكم، لم يتلوّن كما تتلوّنون كلّ يوم، ولم ينقل البندقيّة من كتف الى كتف، ولم يقفز الى الجبهة المقابلة لوعدّ بمكسب خسيس.

بطريركنا قدّيس لأنّه احتمل اسفافكم المتمادي وتجريحكم بشخصه، ولكن اطمئن، لن نسعى الى تطويبه، فنحن نؤمن أن الله هو مصدر كلّ قداسة، وهو الذي يظهر مجده حين يشاء. كفانا فخراً أنّه أظهر مجد لبنان الإستقلال على يد بطريرك أوجعتكم صراحته، وزعزعكم ثباته. لن نطلب من الله، ولا من روما إعلان قداسته، فالأهمّ الآن والأكثر إلحاحاً، هو الصّلاة من أجلك ومن أجل أمثالك، علّ الله يسبغ عليك القليل من نعمة الإنسانيّة، لتعرف الفرق بين الإختلاف السّياسيّ، وبين التّجريح الشّخصيّ. نصليّ لأجلك، لتعي من جديد أنّ الصّحافة هي مهنة نبيلة، هي دعوة إعلان الحقّ والحقيقة، هي دعوة إذا لبّيتها كما يجب، تضحي شاهد حقّ، وعندها ربّما يمكننا رفع دعواك أنت للقداسة.

تقلق من انقطاع العلاقات بين البطريركية المارونية ومختلف الطوائف اللبنانية الأخرى؟ إطمئنّ سيّدي، العلاقات لم تنقطع في أحلك سنيّ الحرب بين سيّد الموارنة والطوائف الأخرى! أمّا إن كنت تقصد الإختلاف الجوهريّ في وجهة النظر مع "حزب الله" حول أحقّية فئة معيّنة في حمل السلاح فهذا أمر مختلف. فلا تختزل الطّوائف كلّها بجماعة مسلّحة تأخذ البلد رهينة سلاحها، وأن كانت هذه الجماعة إلهيّة الصّبغة.

أعلم أنّك غير قادر على المخالفة، فأنت تابع لمعلّم لا يمكنك أن تشتمه كما تشتم رأس الموارنة كلّما رغبت، أو كلّما رغب مموّلوك والمولّون عليك، فهنا حرّية التّعبير، وهناك لا حرّية ولا تعبير، وإلاّ فقد تحترق نصف بيروت من أجل كاريكاتور، أو قد تُقام إجتياحات أيّار المجيدة.

بالله عليك، كفّ عنّا، لقد سئمنا قلّة التّهذيب، فالصّحافة مهنة نبيلة. ألم يقل لك أحدٌ أن قد انقضت أيّام كان يملك فيها كلّ والٍ مهرّجاً يسلّيه، وشتّاماً يذمّ بالأعداء، ومدّاحاً يكذب عليه بالمدائح البرّاقة؟ فلماذا تصرّ على الثّبات في مهنة اندثرت منذ عصور في العالم الحرّ، ولم تبق إلاّ في عقول من لم يعتد على الحرّيّة منطقاً. إرتدّ عن طريق الضّلال بالله عليك، وكفّ عن إهانة الصّحافة بانتسابك إليها. فمهنتك مهنة شريفة، توقّف عن تلطيخها بانتمائك إليها.

رحم الله والدي، فيوم كنت يافعاً طائشاً، كان يقول لي إذا ما تطاولت على من هو أكبر منّي مقاماً: "بس يا ولد، استحي". اسمح لي، سيّدي، أن أقولها لك باسم ابي، وباسم كلّ لبنانيّ مهذّب: "بس يا ولد، إخجل، فمَن تشتمه أكبر منك بكثير".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل