ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الدورة العادية الرابعة والاربعين لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان التي انعقدت صباح اليوم في الصرح البطريركي في بكركي، بمشاركة بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك السريان الكاثوليك اغناطيوس الثالث يوسف يونان، بطريرك الارمن الكاثوليك نرسيس بيدروس التاسع عشر، السفير البابوي المطران غابريال كاتشيا، رئيس اللجنة التنفيذية للمجلس المطران رولان ابو جودة، امين عام المجلس المونسينيور وهيب الخواجا ولفيف من المطارنة والرؤساء العامين والرئيسات العامات من مختلف الطوائف الكاثوليكية.
بعد الصلاة المشتركة، ألقى البطريرك صفير كلمة الافتتاح فقال:"انا نرحب بكم في داركم، يا اصحاب الغبطة، ونرحب خصوصا في ما بيننا بالسفير البابوي المطران غابريال كاشيا، وبجميع اصحاب السيادة المشتركين معنا اليوم في افتتاح هذا المجلس. كما اننا نرحب، في ما بيننا، بالمطران بولس منجد الهاشم، الذي عاد الى هذا المجلس، بعد ان خدم الكنيسة سفيرا بابويا، وقاصدا رسوليا في الخليج، وببعض الاعضاء الجدد من ممثلي الرهبانيات، وهم: قدس الاباتي طنوس نعمة رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية، الاب ريمون عبده الرئيس الاقليمي للآباء الكرمليين، الام فيليستيه ضو الرئيسة العامة لجمعية الراهبات الانطونيات المارونيات، الام ليونتين ابو رجيلي الرئيسة العامة للراهبات الباسيليات الشويريات والاخت جوزفين حداد الرئيسة الاقليمية لراهبات القديس يوسف للظهور. انا نسأل لهم السخاء في العطاء في إطار هذا المجلس، خدمة للكنيسة والنفوس في لبنان".
واضاف: "كما نستمطر الرحمة على من نقلهم الرب الى جواره من اعضاء المجلس، المثلث الرحمات البطريرك يوحنا بطرس الثامن عشر كسباريان كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للارمن الكاثوليك سابقا، والمثلثي الرحمة المطران اندره بدوغليان أسقف الكنيسة الارمنية سابقا، المطران انطوان حايك رئيس أساقفة بانياس ومرجعيون وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك سابقا، المطران يوسف محفوظ مطران البرازيل للموارنة سابقا، سائلا الله ان يجازيهم خير الجزاء على تفانيهم في خدمة الكنيسة والمؤمنين".
ولفت الى ان "موضوع اجتماعنا في هذه الدورة: الكنائس الكاثوليكية وتوصيات السينودس من اجل الشرق الاوسط، وسيدور الكلام على كلمة الله والحياة المكرسة، والوجود المسيحي، وترسيخه في هذا الشرق، وسيتطرق الى الكلام عن ولاية البطاركة ومعيشة الكهنة، وعن الشركة الكنسية، وعن رسالة العلمانيين، وبعض أوجه رسالة الكنيسة، بما فيها العائلة والاعداد للزواج، والمدارس والمؤسسات، وتعليم الكنيسة الاجتماعي، وينتقل الكلام الى شؤون ادارية منها التعليم العالي والجامعي، ومرشدية العمل الرعوي، ورابطة الاخويات والاعمال الرسولية. ثم تأتي الانتخابات لبعض وظائف لا بد منها لحسن سير الاعمال. وتأتي في آخر المطاف التوصيات والبيان الختامي".
وختم بالقول: "واني اذ اتمنى لاجتماعنا النجاح، اسأل الله، بشفاعة العذراء مريم، ان يرسل الينا روحه القدوس فيتجدد وجه الارض. هذا وأتمنى لكم النجاح في ما تعالجون من قضايا كنسية لا بد منها لحسن سير الامور، ولخير الكنيسة جمعاء والمؤمنين".
ثم كانت كلمة السفير البابوي المطران كاتشيا الذي قال:"انها المرة الثانية التي أشارك فيها في لقاء مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان. فالمرة الاولى كانت في 9 تشرين الثاني 2009، وكنت وقتذاك قد وصلت للتو الى لبنان. فعبرت يومها عن مدى سعادتي لوجودي في هذه الارض المقدسة، الغنية بالثقافة والتاريخ، والمعروفة بحسن الضيافة وبالاحترام والوفاء اللذين تكنهما لقداسة الحبر الاعظم" .
اضاف: "اما اليوم فقد اصبحت هذه الانطباعات بمثابة قناعات ثابتة، ترسخت في بعد سنة ونصف السنة من العيش معكم وفي كنائسكم. ولهذا فانا أود بداية ان أشكر الله وان أشكركم انتم وكل المؤمنين رواد كنائسكم الذين تسنى لي ان ألتقيهم حتى اليوم" .
وتابع: "ان الدورة السنوية الفعلية لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان قد انعقدت هذه السنة في روما، حيث اجتمعت كنائس الشرق بدعوة من قداسة البابا، وكان ذلك في شهر تشرين الاول الماضي ضمن الجمعية الخاصة لسينودس الاساقفة. فخلال هذا السينودس قد تسنى لنا ان نفهم جمال وحقيقة ما قيل في اعمال الرسل في المجتمع المسيحي الاول:" وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة". وأود ان أنتقي من البيان الختامي للسينودس العبارة التالية:" كان لنا سينودس الاساقفة الخاص بالشرق الاوسط بمثابة عنصرة جديدة". أجل، انني لواثق بان الشراكة التي اتسم بها هذا اللقاء والتي اصبحت واضحة خلال جمعية السينودس، قد ولدت فرحا جديدا، كما انها أتتنا بنفحة جديدة من الروح القدس الذي فتح أعيننا مرة جديدة على حقيقة ان ثمة مهمة في عهدتنا وعلى كل واحد منا ان يعمل لتحقيقها، لا ان نعمل في العزلة، كل منا على حدة، بل ان نعمل كعائلة، وككنيسة، في الشركة التي تتحول شهادة حية" .
وقال كاتشيا: "من دواعي الفرح ان تكونوا قد قررتم تمديد اختبار الروح القدس في هذه الدورة السنوية العادية الرابعة والاربعين وموضوعها "الكنائس الكاثوليكية في لبنان وتوصيات سينودس الاساقفة من اجل الشرق الاوسط". وقد سررت لمعرفتي انكم ستتناولون في الايام المقبلة 20 توصية من توصيات السينودس، كما انني على يقين من ان ثمرة عملكم ستساهم اذا في صياغة الإرشاد الرسولي الذي ينجم عن لقاءات السينودس" .
وتوقف عند التوصيتين الثانية والثالثة، لا لانهما الاوليين من حيث التسلسل العددي ولكن لانهما مصدر كل التوصيات اللاحقة. فهما تذكراننا ان "كلمة الله هي روح الخدمة الرعوية وأساسها". بهذا المعنى، يفرحنا الصدور الحديث للارشاد الرسولي حول كلام الله في حياة الكنيسة ورسالتها. فنحن لا نستطيع ان نفهم دعوتنا ولا هويتنا ولا التزامنا الا بإصغائنا لله المتجلي بالكلمة المتجسد، الموجود على الدوام في حياتنا ليجعل منها قصة خلاص.
ودعا الى قراءة هذا النص الغني بإيحاءاته وللتأمل به ونشره، اذ ان له ان يكون المحور الاساس للعمل الرعوي في كنائسكم، كما في الحياة المكرسة والحياة الرعائية، وفي الجمعيات. جميعنا بحاجة الى ان نستقي من ينبوع الماء الحي "الذي يتفجر حياة أبدية".
وقال كاتشيا: "أود، بعد النظر عن كثب الى الواقع اللبناني، ان افكر معكم في بعض الاحداث التي جرت بعد لقائنا الاخير. لقد سررنا بالمشاركة مع الكنيسة المارونية بالمئوية 16 لوفاة القديس مارون، الذي سيدشن له تمثال قريبا في بهو كاتدرائية مار بطرس في روما. وسينتصب التمثال بجانب تمثال القديس غريغوريوس المنور. كما اننا فرحنا لتطويب الاخ اسطفان نعمة الراهب اللبناني الماروني. وقد شكرنا الله مع كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك على صدور المرسوم الذي اعلنت فيه الفضائل البطولية للراهب المخلصي الاب بشارة ابو مراد. وبكينا مع الكنيستين السريانية والكلدانية ضحايا العراق البريئة ومع الكنيسة القبطية ضحايا مصر ايضا. يمكننا القول مرة جديدة ان كنيسة الشرق لهي كنيسة قديسين وشهداء، ونحن نعترف بفضلها في كل ما تساهم فيه مع الكنيسة الجامعة" .
اضاف: "فالقداسة وان ينشأ المرء في مشيئة الله، وان يستسلم بين يديه بكل ثقة، كل هذا يساوي القوة على بذل الذات حتى النهاية، كما فعل يسوع المسيح. وينبغي ان نتشجع متمثلين بالقديسين والشهداء، فيجب ان يحض مثالهم كل المؤمنين سكان هذه الارض المقدسة على الشهادة لحب الله" .
وتابع: "في عظته في ختام اعمال السينودوس يقول الحبر الاعظم :" مساهمة اخرى يستيطع المسيحيون تقديمها للمجتمع هي تعزيز الحرية الدينية وحرية الضمير، وهما حقان من الحقوق الاساسية للانسان، على كل دولة ان تحترمها دائما". اما في رسالته في اليوم العالمي للسلام، يضيف قداسة البابا:"الحرية الدينية ليست إرثا حكرا على المؤمنين، انما هو ارث لاسرة شعوب الارض جميعها. انها حجر الزاوية في دولة القانون، فلا يمكن التنكر لها دون المساس، في الوقت عينه، بكل الحقوق والحريات الاساسية، اذ انها خلاصة هذه الحقوق والحريات وذروتها. وانها بمثابة "ورقة دوار الشمس" التي تسمح بالتأكد من احترام جميع الحقوق الانسانية الاخرى "(النبذة الخامسة). واكرر برضى كبير ما سبق ان قلته في لقاء السلك الدبلوماسي وهو ان لبنان لهو نموذج عن هذه الحرية، في نصوصه الدستورية كما في التقاليد التي يعيشها اللبنانيون، اذ يمكن للبنان ان يكون مصدر إلهام لدول اخرى جمة، وبخاصة خلال هذه الفترة التي تهب فيها رياح التحرير في هذه المنطقة من العالم" .
ولفت كاتشيا الى ان المساهمة الثانية التي يمكن لمسيحيي الشرق ان يقدومها للكنيسة الجامعة وللعالم بأسره فهي الشهادة للحوار مع المسلمين الذي لا يعتبر ممكنا فحسب بل ضروريا ايضا، مبدياً اعجابه بما حصل السنة الماضية عندما أقر اللبنانيون، كمن يسبح عكس التيار يوم الخامس والعشرين من اذار عيد البشارة يوم عيد رسميا، ليتسنى لجميع اللبنانيين مسيحيين ومسلمين، ان يعيدوا سويا عيد العذراء مريم، مكتشفين ان الايمان الحقيقي يدعو الناس الى ان يتحدوا ويتعارفوا ويحترموا بعضهم بعضا، في اطار قيم الشخص البشري السامية.
وقال: "ما زال الرب يبارك فعلا هذا البلد ويغمر مسيحييه بالبركات الجمة. ونحن ممتنون للكثيرين من الاشخاص الذين يتجاوبون مع الدعوة للحياة المكرسة، كما اننا ممتنون ايضا للعلمانيين الذين يلتزمون الالتزام الامين بخدمة الكنيسة". وتابع: "علينا ان نشكر الله معا على جميع عطاياه، وان نجدد هكذا عزمنا على ان نكون شهودا لما ينتظره هو والعالم منا. فكما ان مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان ولجانه يظهران ان البنية الكنسية متوفرة في لبنان، الا انه ينبغي ان يجدد الروح القدس فينا رغبة العمل جنبا الى جنب، والمساهمة مع بعضنا البعض ككنيسة الله الواحدة. هذه هي المهمة التي يطلبها الرب منا، وهذا هو ما اود تحقيقه معكم وبمساعدتكم التي اشكركم عليها جزيل الشكر" .
وختم :"ليكونوا واحدا"، هي الدعوة الى وحدة المسيحيين. هي دعوة الله وهي ايضا التحدي الاكبر لنا جميعا. فلنعمل سويا بكل غبطة ومثابرة لنقدر ان نشعر حقا ونقول مع ناظم المزمور:" هوذا ما احسن وما اجمل ان يسكن الاخوة معا".
بعدها بدأت اعمال الدورة المغلقة التي تستمر لغاية يوم السبت المقبل في 19 شباط حيث سيصدر عند الثالثة من بعد الظهر البيان الختامي ويتناول المواضيع كافة التي تم بحثها.