#adsense

القتل المستحيل لـ “الرجل ذي الحلم الذهبي”!

حجم الخط

لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري "الرجل ذا النعل الذهبي"، كما اختار عمر اميرالاي ان يُعَنوِنَ حواراته معه، بل كان "الرجل ذا الحلم الذهبي"، الذي قتل في الجريمة الاكثر وحشية في التاريخ. ربما لأنك لنسف جبل تحتاج الى طنين من المتفجرات، أما لقتل رجل في موكب فإنك تختار الطنين حتماً لسببين:
– انك ترى الرجل في حجم جبل.
– وان حقدك وكراهيتك له اكبر من جبل المتفجرات!

لكن القتل لا يقتل احيانا. فثمة في بعض الرجال ما لا يمكن قتله. فالجسد يموت اما الحلم والمشروع فيزدهران… ولو بعد حين!

هذا الكلام ليس اغراقا في الرومانسيا قبيل ساعات من احتفال "البيال" وخطب 14 آذار الناهضة من وهن هو بالتالي ثمرة لا بد منها وإن كانت مُرّة للحرص على الحلم والمشروع. هذا الكلام هادئ وواقعي، ومن لا يصدق ليس عليه الا الجلوس والاستماع جيدا وعميقا الى ساعات من حديث رفيق الحريري في حواراته الفكرية والقومية والوطنية والانسانية والفلسفية والسياسية مع عمر اميرالاي ليكتشف بالتالي أمرين:

اولاً: انه اغتيل لأنه كان يطمح ويعمل لقيام مشروع الدولة في لبنان. وامام هذه الحقيقة يستطيع المرء بقليل من المخيّلة ان يتذكر ان اغتيال رفيق الحريري بدأ حتى قبل ان يعود الى لبنان نائبا ورئيسا للحكومة. بدأ عشية "مؤتمر لوزان"، وبعد تحركه لوقف الحرب في هذا البلد. وانطلق مع "اتفاق الطائف" في اللحظة التي أيقن من أيقن، ان وقف الحرب هو بداية وقف ذوبان لبنان نهائيا. ثم وُضع على سكة التنفيذ مع وصول الرجل الى رئاسة الحكومة كمعبر للمشروع الحلم: مشروع الدولة.

منذ ما قبل لوزان والاغتيال قائم وناشط بالنار وبالسياسة وبتشويه السمعة وبالاتهامات وبالتركيبات وبالاكاذيب. انه الاغتيال المتكرر والمتسلسل والمستمر والدائم، الذي سينتقل بالسياسة وتشويه السمعة والصورة سريعا من الأب الى الابن سعد الحريري.
لنقل انه مشروع القتل المُصمِّم على تدمير مشروع الدولة، وان حصيلته الدموية تجاوزت 218 شهيدا من رافعي رايتها.

الآن وقبل ساعات من احتفال "البيال" لاستنهاض 14 آذار، لا يستطيع الكثيرون النظر الى المناسبة كذكرى، ليس لان الذكريات عادة من الماضي، بل لان الذين استشهدوا وهم يرفعون لواء مشروع الدولة، ليسوا صفحة في كتاب وتطوى، ولا هم حدث في تاريخ راكض ويعبر. وليسوا كما عندنا في "النهار" مع جبران تويني وسمير قصير والشهيد الحي مروان حماده، مقالاً نقرأه ونمضي.

❒ ❒ ❒

ثانياً: إنه الاغتيال المستحيل. الاغتيال الفاشل تكراراً. لانك تستطيع ان تقتل الرجال وتدمر الجبال بالحديد والنار وبالوعيد ايضا، لكنك لن تستطيع قط ان تقتل الاحلام، وخصوصا تلك التي تسبح في فضاء مشروع الدولة، الذي قُتل كل الشهداء بهدف قتله لكنه باق مثل بركان يثور ويهمد وينفجر في نهاية الامر، لان اللبنانيين جميعا يريدون وطنا مستقرا، قويا، سيدا، حرا، ديموقراطيا، مستقلا، عادلا، منصفا، مميزا، شفافا ونظيفا، ويريدون بالتالي هوية يفاخرون بها ويفتخرون. هوية لا تحمل الابناء والكفاءات والشباب الى القنصليات والهجرة، بل الى الوظائف والاعمال والابداع والنمو والتقدم والرخاء.

هذا هو الحلم. مشروع الدولة التي لا تصدّر الابناء الى الخارج، ولا تتحول مغارة للفساد والنهب واللصوص، يقف عند مداخلها منافقون يصدحون بالطهارة والشفافية، بينما ازلامهم ينهبون في الداخل!

ان الحلم بمشروع الدولة لم يصنعه رفيق الحريري ولا حتى الشهداء منذ ما قبل جمال باشا، لانه في الواقع يولد من الارحام رديفا ملاصقا للحياة عينها، ولحقّ الانسان اللبناني في الحياة. ولا حياة تستحق ان تعاش خارج دولة ديموقراطية متحضرة.

لهذا، ليس صحيحا ان رفيق الحريري وكوكبة الشهداء قُتلوا، وان ما جرى في "البيال" امس هو ذكرى سادسة ومناسبة لاستنهاض حلم انطوى، وان ما قيل في الخطب عملية اعلان عن بداية مرحلة وشحذ همم.

لا، لأن الذين قتلوا استشهاداً باقون اعمدةَ اساسِ في مشروع الدولة، الذي سيظل صنو الحياة عينها يخرج من الارحام. ولن يكون في الارض نار تستطيع قتل الاحلام والمشاريع التي هي الحياة بعينها.

❒ ❒ ❒

ليس في كل هذا الكلام اي رومانسية او اوهام. فمهما قيل، ورغم محاولات "الانظمة الحديدية" التصفيق للثورة في تونس ومصر واعتبارهما انعطافا هائلا في المواقف والسياسات وموازين القوى، فان "ثورة الياسمين" في تونس ولدت من رحم "ثورة الارز" ومن جوهر حلم الجماهير الذي ملأ فضاء العالم انطلاقا من "ساحة الحرية" في بيروت. وان ثورة "ميدان التحرير" في مصر تلقّحت بعدوى صراخ الحياة الكريمة الذي اطلقته الجماهير اللبنانية في 14 آذار… ان التغيير في المنطقة اطلقته جماهير لبنان في "ساحة الحرية" ولو ظن البعض آنياً انها صفحة وانطوت.

واذا كان قد خرج مليونان من طالبي الحياة والحرية والكرامة في مصر الـ85 مليون نسمة، فلنتذكر ان مليوناً ونصف مليون من طالبي الحرية والحياة في مشروع الدولة التي ارادها رفيق الحريري ورفاقه، خرجوا قبل ستة اعوام في بلد الاربعة ملايين ليسجلوا رقما للتاريخ ولمستقبل المنطقة كلها وللحياة الكريمة فيها التي ستظل تولد دائما، برغم الواقع الفولاذي.

من يظن ان رفيق الحريري وباقي الشهداء قتلوا واننا في ذكرى، واهم. ومن يظن ان الذين سيولدون خلال ساعتين من احتفال "البيال" ليسوا حياة تشق الارحام مطالبة بحياة كريمة ومشروع دولة في وطن اسمه لبنان واهم اكثر!

المصدر:
النهار

خبر عاجل