عندما يقع مفكّرون وقادة رأي في خطأ القول عن الحكومة العتيدة انها ستكون حكومة حزب الله، لابد من تصحيح النظرة الى ما هو مرتقب طالما ان هناك مَن قال لا نريد سعد الحريري مجدداً في السراي واستتبع ذلك بقوله «اننا نريد هذه الوزارة او تلك (…) ولا نريد هذا الوزير او ذاك». وعندها فقط تأتي صورة الحكومة الجديدة في الاطار الذي رسمه رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون وعندها فقط يظهر الحجم الكبير للمؤامرة على لبنان ونظامه!
صحيح ان عون لا ينطلق من ذاتية سياسية تسمح له بفرض شروطه، لكنه طالما بقي واقفاً على ارض صلبة اسمها حزب الله والسلاح غير الشرعي، يصبح لزاماً القول ان «امورنا سائرة من سيئ الى أسوأ، خصوصاً أن الانقلاب الذي مهّد له الزعيم الدرزي وليد جنبلاط لم يكن ليحصل لولا املاءات حزب الله ومشروعه السياسي وغير السياسي في البلد. وهذا بدوره لا يمكن فصله عن خطوات عون التصعيدية والمدفوعة سلفاً على قاعدة ما هو مرشح الحصول في وقت غير بعيد، لاسيما ان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ليس بحاجة الى اكثر مَن «يطبطب» له احدهم على كتفه قائلاً «انت في امان ولا حاجة الى الخوف مما اصاب غيرك»، في اشارة الى مسلسل التصفيات السياسية التي ضربت لبنان كحل امثل لمنع اي كان من ان يعبّر عن رأيه؟!
ازاء ما تقدّم، يبقى ما هو اصحّ من الصحيح لجهة افادة حزب الله من «متغيرات القوة» اي الوصول الى تجنب الاتهام الدولي مع غيره بالنسبة الى جرائم الاغتيال. وهذا بنظر الحزب يكفي لنيل براءة ذمّة محسوبة من وجهة نظر احادية الجانب، ربما لأن المحكمة الجنائية الدولية ستكتفي بقرار من الصعب ترجمته على الارض «حتى اشعار آخر»!
اما الهم الآخر، والمقصود به حصة النائب ميشال عون التي سدّد فواتيرها سلفاً، فهو تطلّع «مفكّر الرابية» الى منصب الرئاسة الاولي، من غير حاجة الى انتظار وقت كثير، بدليل اصرار الاخير على توجيه رسائل استفزاز الى بعبدا، اعتقاداً منه ان الرئيس ميشال سليمان في غير وارد تقبّل فرض شروط عليه، إن لجهة الضرب على وتر وزارات الرئاسة الاولى (الدفاع – الداخلية – العدل)، أو لجهة ارباك المشروع السياسي للحكومة الجديدة، في اشارة الى ان عون لن يكتفي بعدد فضفاض من الوزراء، بل لأنه يتطلع الى الوفاء بتعهداته لحزب الله في مجال اسقاط مفاعيل المحكمة الدولية وبعض الاتفاقات مع الاميركيين والاوروبيين!
السؤال المطروح: الى اي مدى يمكن لعون الوصول في ما يسعى اليه؟
اوساط مطلعة تتحدث منذ وقت غير قصير عن فكرة تراود مخيّلة رئيس تكتل التغيير والاصلاح تقوم على اساس تقليص اي دور لرئيس الجمهورية في رسم سياسة الدولة، بما في ذلك تطلع عون الى التأثير المباشر في مجال «جرح الكيان الرئاسي» على أمل ان يصل الى وضع الرئيس سليمان أمام خيار من اثنين: الاستقالة اولاً ومن ثم الانتقال الى معركة انتخابية مبكرة، على رغم معرفة عون ومَن يقف وراءه وأمامه ومعه أن الفكرة مستحيلة التحقق «لأن انتخابه رئيساً من دونه عقبة دسورية – قانونية (اغلبية الثلثين)، إلاّ إذا كان الانقلاب السياسي لن يأخذ في الاعتبار النظام البرلماني الديموقراطي، كون اللعبة ستتّكل على عرض القوة وكل ما قد يتفرّع عنها!
الملاحظ في كلام اخير للنائب ميشال عون اصطفاف واضح وصريح الى جانب حزب الله، لاسيما في قوله «لتدّلنا أميركا وغير أميركا على عمل ارهابي واحد قام به الحزب. كما وجّه السؤال عينه باتجاه الداخل، مع انه يعرف ان خصوم الحزب في الداخل لم يوجّهوا يوماً تهمة الارهاب، فيما ينحصر مأخذهم على استخدام السلاح في معرض التأثير السياسي وغيره. وهذا ما لا ينكره حزب الله، حيث الدلائل واضحة وهكذا بعض بصمات الاحداث في بيروت والجنوب والجبل. وليس مَن ينسى ماذا حصل في ايار من العام 2008 وكيف وضعت اليد على الوسط التجاري وبعض الادارات، وفتح النار على مؤسسات اعلامية لمجرد انها تنتمي الى رأي مغاير!».
أين الرئيس نبيه بري من هذه «السيناريوات العونية؟». سياسي بارز في قوى 8 آذار يحدد «نظرة شيعية مختلفة الى الموضوع السياسي الداخلي»، مفادها انه «ليس افضل من الحليف العوني اذا أردنا ضرب الصدقية السنية – المارونية ومعها صدقية قوى 14 آذار». كما يرى السياسي البارز ان «من سابق أوانه الاتجاه بالامور الداخلية ناحية الحسم الفوري»، حيث هناك اعتبارات اقليمية ودولية لا تستسيغ تحوّلاً في لبنان بحجم ما حصل في بعض الدول الشقيقة وما قد يطرأ على انظمة اخرى مختلفة جذرياً عن كل شيء في لبنان (…)
وفي اعتقاد السياسي البارز في قوى 8 آذار ان «عون مغشوش بنفسه»، لكنه لن يصل الى حدّ الرهان على نسف الدستور اللبناني الذي يحمي البلد كما اثبتت التجارب من انزلاقات ابشع كثيراً مما عاناه لبنان على مدى عقود. كذلك، يرى السياسي البارز المشار اليه ان «ورقة عون يمكن ان تؤثر في المجريات الداخلية، لكنها بالمقارنة مع ما عانته تونس ومصر وغيرهما، فإن الحال اللبنانية تبقى مرشحة، بل قادرة على امتصاص بعض الصلف السياسي والمذهبي، حيث لايكفي القول ان «طلعة من هنا لن تقابل بنزلة من هناك»، بدليل رؤية حزب الله الى ما قد يطرأ في مجال تشكيل الحكومة الجديدة!
وفضلاً عن كل ما تقدّم، فإن الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي في غير وارد رهن حاضره السياسي ومستقبله الوطني بمزاجية اي طرف على الساحة اللبنانية. ما يعني ان همّه منصب في هذه الآونة الصعبة والمعقدة على المجيء بحكومة محترمة في وزرائها وصادقة في توجهاتها وصريحة في نظرتها الى الثوابت التي لن تتأثر بالمناخ النفسي التصعيدي الذي يتحرّك عون وحلفاؤه من خلاله (…)
كذلك، فإن الكلام عن صعوبات تعترض تشكيل الحكومة هو في محله الصحيح طالما ان رئيس الجمهورية لن يركع ولن يتخلّي عن ثقله في ادارة شؤون البلاد بتوافق. وهذا الامر ينطبق على الرئيس ميقاتي الذي تجمع مصادره على انه يفضل ألف مرة الاعتذار عن تشكيل الحكومة (…) ولا ان يُقال عنه مرة انه مرشح حزب الله او ميشال عون لا فرق؟!