قيل عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة أنَها حكومة غير شرعية وغير ميثاقية لأنَ شريحة من النسيج الوطني، أي الشيعة، كانت غائبة عنها. وهذا يعني تحديدا أنَ تمثيل الحكومة للشعب لم يكن كاملا. وقد أعتبر بعضهم حينذاك أنَ السنيورة خالف بشكل سافر بنود وثيقة الوفاق الوطني أو دستور الطائف. وكان حريَا به أن يعلن أستقالة حكومته فور انقطاع الوزراء الشيعة عن حضور الجلسات، أنسجاما مع "روح" الدستور.
لكنَ المراقبين يغفلون عمدا، أو عن غير قصد، أمرين أثنين هما: سبب القطيعة وأسلوب التعاطي معها. فالسبب كان، من دون أيَ شك، مجريات المحكمة الدولية أو تنامي خطواتها دوليا. فالفريق المعني لم يكن يعتبر أنَ المجتمع الدولي سوف يتناول بجديَة مسألة العدالة "اللبنانية"، وسوف يتمَ تسويف القضية بحكم عاملي الضغوط والمصالح. لكنَهم فوجئوا بأصرار المرجعية الدولية على أحقاق العدالة، من خلال أظهار حقيقة الوقائع بنبش ما خفي منها، للتوصَل الى أتهام الذين أرتكبوا الجريمة – بل الجرائم جميعا، لأنَ المرتكب واحد – وأنزال العقاب المؤاتي بهم. فكانت ردَة فعلهم الفورية معاقبة السنيورة، بانسحاب الوزراء وتوجيه أصابع الأتهام اليه لأنَه، باعتقادهم، يعمل على الأيقاع بهم من ضمن الخطة الأميركية/ الأسرائيلية للقضاء على "حزب الله".
أمَا أسلوب التعاطي مع ما تلى الأستقالة، فكان ترهيب الشخصيات الشيعية التي كان من الممكن أن تتولَى المناصب الوزارية كبدلاء عن المستقيلين. وهذا أسلوب مستهجن وممجوج، قام عامل الخوف بتأمين نجاحه وكمَ أفواه الذين يعارضوه. مع العلم، أنَ الطائفة الشيعية الكريمة تضمَ الكثير من الأشخاص الذين يتمتَعون بالكفاءة والوطنية والخبرة، ما يجعلهم مؤهَلين لتولَي المراكز المهمة والحسَاسة في السلطة. وبالتالي، تكبر هذه المراكز بهم.
نحن اليوم، أمام تجربة مماثلة، مع أختلاف في مواقع اللاعبين وفي تكتيك تعاطيهم معها. فالحكومة المزمع تأليفها، لن تكون سوى من لون واحد، على ما يصرَح به "الناطق الرسمي" – صوت سيَده – والذي يفرض شروطا محدَدة على المشاركين،أيَا كانوا، ما يعني أنَ وجودهم داخل التركيبة ليس سوى "ديكور" لاستكمال المشهد. وهذا الأمر ينسف الحيثية الميثاقية أو الأعراف التي كانت سائدة طوال العقود الماضية، ويحوَل الديمقراطية من "توافق" – كما أرادوها واستماتوا لتحقيقها – الى حكم الرأي الواحد أو ديكتاتورية السلطة. وهذا يعني، تحديدا، تهميش شريحة لا يستهان بها وأقصائها كليَا عن المشاركة. ما يمكن اعتباره أخلالا بالدستور وضربا موجعا للميثاق الوطني.
لذلك، لا يمكن أعتبار الحكومة العتيدة ميثاقية وشرعية ودستورية، وعلى رئيس الجمهورية بالتالي أتخاذ الموقف الوطني والدستوري المناسب حيال هذا التعدَي على النظام العام، وعدم الموافقة على مشروع فتنة. بالأضافة الى أنَ اللون الآحادي يأخذ الوطن الى مواجهة حتمية مع المجتمع الدولي، من خلال ألغاء البروتوكول مع المحكمة الدولية أي جمعية الأمم، ويصنَف لبنان تابعا مسلوبا لمحور أيران/سوريا، ما يجعله مكسر العصا الدولية أو الحلقة الأضعف في المحور "الممانع". فتفرض عليه العقوبات التي ينوء تحت ثقلها، وما القرار الأميركي في مسألة "البنك اللبناني – الكندي" سوى أوَل الغيث في هذا المجال. فهل بأمكان لبنان تحمَل هذه المغامرة؟
من الواضح أنَ فريق "14 آذار" لن يعمد الى أستخدام الأسلوب "الأرهابي" في تعاطيه مع عملية تأليف الحكومة، أي أنَ "تيَار المستقبل" لن يمارس ضغوطا "أمنيَة" على الشخصيات السنيَة التي ستشارك في الأستيزار. لكنَ المطلوب من "تيَار المستقبل"، ومن جماعة "14 آذار" جميعا، الأخلاص لمبادئ ثورة الأرز، بالأصرار المستمرَ على المطالبة بالعدالة الدولية، أي الحامي الوحيد لسلامة الناس، وعلى اعتبار كل سلاح خارج سلاح قوى الدولة، هو سلاحمرفوض وغير شرعي ويجب أزالته نهائيا، تحت أيَ عنوان كان.