كتب وسام اسماعيل في صحيفة "النهار":
في العاشر من تشرين الثاني عام 1898، اواخر القرن التاسع عشر، زار الامبراطور الالماني غليوم الثاني ترافقه زوجته اوغسطا فكتوريا هياكل قلعة بعلبك الاثرية التي انيرت آنذاك بألفي قنديل بترولي ترحيبا بالزيارة التي ارسل على اثرها غليوم بعثة المانية علمية الى بعلبك وصلت طلائعها في كانون الثاني عام 1899 واستمرت حتى آذار 1904. وقد خصص لها 600 الف فرنك ذهبا في مقابل اخذ كل ما عثرت عليه البعثة من تحف وتماثيل ونذورات وزجاج، فعملت على اجراء مسح علمي شامل تضمّن اعمال الحفر والترميم بموافقة الدولة العثمانية، افضت الى كشف العديد من تواريخ الهياكل ونشر ابحاثها في مجلدين، ليتابع من بعدها الاثريون المهندسون والفرنسيون طيلة فترة الانتداب الفرنسي على لبنان هذه الاعمال، ثم اكملت المديرية العامة للآثار العمل وان كانت بوتيرة اخف.
عام 1984 ادرجت مدينة بعلبك وجبيل وصور وعنجر في "لائحة التراث العالمي" لمنظمة "الاونيسكو"، واعتبرت تراثا ثقافيا يخص الانسانية جمعاء، مما حتّم وضع معايير محددة وضرورية ينبغي اتباعها بدقة للحفاظ على المعالم الاثرية والتراثية.
أوسع عملية تأهيل
بعد 113 عاما، تستفيق قلعة بعلبك من سباتها على اكبر عملية تأهيل وترميم بعد اعمال البعثة الالمانية، اذ تواصل الورشة عملها على قدم وساق داخل قلعة بعلبك الاثرية وحولها لانجاز المرحلة الاولى لترميمها من خلال "شركة البنيان للهندسة المدنية". ويتم تنفيذ المشروع وفق مراحل عدة:
التمويل من البنك الدولي، التجهيزات السياحية وتحسين المنظر، الحفاظ على المسطحات وتدعيم المباني الاثرية، التمويل من الوكالة الايطالية للتنمية لتحسين الموقع والحفاظ عليه وتدعيم الانشاءات الاثرية وتأهيل مسارات السياح والمتاحف.
ووفقاً للمخطط المرسوم للمشروع، فإن عملية التأهيل والترميم تنجز وفقاً لاصول اتفاق الترميم الفنية والتقنية الصادر عن "الاونيسكو" والذي يحدد الاسس والمعايير الثابتة والمتفق عليها في عمليات الترميم الخاصة بالمدن الاثرية القديمة كمدينة بعلبك. ويطمح المشروع الى صنع سياحة محلية، واولى اهتماماته الآفاق المستقبلية من دون التخلي عن التاريخ والتراث، مما يعطي المدينة طابعاً يتجلى في احياء هذا الارث بما يواكب الحاضر والمستقبل من خلال الرؤية والمحاولة لانعاشها وحماية معالمها الاثرية وترميمها وتأهيلها كمشروع متكامل للسياحة.
ملامح المشروع بدأت تظهر عند السياج الحجري الخارجي للقلعة الذي حرص المشروع على ايفائه حقه واظهار مكانته التاريخية والاثرية ورفع الغبن الذي لحق به من جراء العبث، فهو الشاهد الحي على الاهمية التاريخية والحضارية لهذه المدينة وعلى اجيالها التي اعطته اسرارها وحكاياتها وحاولت من خلاله التسلل الى الهياكل من دون المرور عبر الباب الرئيسي.
80% من اعمال ترميم السياج الذي يبلغ طوله 2300 متر انجز، اذ تمت زيادة ارتفاعه الى 60 متراً ويعتليه سياج حديد اخضر بطول 150 متراً بعدما وضع الباطون بين الحجار الاثرية بسماكة 30 سم، كذلك تم تغيير بعض البوابات الموجودة وصيانة بعضها الآخر بهدف تأمين سلامة الموقع والتوافق مع المحيط وتحسين المباني والمساحات المحيطة.
المشهد مختلف تماماً
اليوم، بات مشهد القلعة يختلف عما كان عليه، وسيجد السائح ان منطقة جديدة ولدت، وانه يدخل الى منطقة خضراء جديدة مليئة بأشجار الصنوبر العملاقة المحاذية للمعالم الاثرية شمال غرب القلعة بفضل ضمّ عقار بستان زين الى محيط القلعة، وهدم السياج الحجري القديم الفاصل بينهما وبناء آخر جديد متصل بالسياج الرئيسي، وبذلك تكون لدى السائح فرصة لان يشاهد خلفية السور الشمالي لهيكل جوبيتر الذي بني من تسعة احجار فقط، طول الواحد منها تسعة امتار ونصف متر، وبلغ ارتفاعه اربعة امتار وعرضه 3 امتار و65 سم. اما الجدار الغربي (الدكة الكبيرة) فتضم مدماكين، الاول مركب من ستة احجار يبلغ طوال الواحد منها عشرة امتار وعلوه اربعة امتار ويعلوها المدماك الثاني المؤلف من ثلاثة احجار طول كل منها 19 متراً ونصف متر وارتفاعها اربعة امتار وعشرة سم وعرضه ثلاثة امتار و65 سم، اي 292 متراً مكعباً بزنة 720 طناً. وهذه الحجارة ترتفع عن مستوى الارض 23 قدماً وعملية رفعها لا تزال سر من اسرار بعلبك وبنيت بدقة.
وفي ضوء الدراسات، اضافت عملية التأهيل انشاء مجمع في الجهة الشمالية الشرقية من البستان يسهل الوصول الى الموقع ويضم سقفين لحماية الاحجار الأثرية وبناء يتضمن الوحدة الكهربائية ومخزناً ومستودعات وختبراً لصيانة القطع الأثرية بمساحة 700 متر مربع من المباني المعدنية والباطون، وغرفتين وحمام للشرطة، كما يشمل موقفاً وباحة للخدمات.
وشملت الدراسة ايضاً توصيل شبكة مياه الشرب الى نقاط عدة في الموقع، وانشاء حمامات عامة وتجهيزها، وتأهيل محيطه وربط الحقائب والحمامات والمنشآت بشبكة الصرف الصحي.
تحسين منشآت الزائرين
أحد العناصر المهمة التي يتضمنها المشروع، ويعد من اهم انجازاته يكمن في تحسين منشآت الزائرين التي تعتبر نقطة تحوّل للقلعة اذ سيكون هنالك محطتان للدخول لزائري للقلعة ليتحول مدخلها الحالي مخرجاً للزائرين النقطة الاولى عند بستان رعد يبدأ من سبيل شومان من خلال جسر معدني للدخول وتأهيل المحيط بشبكة ري وغرس اشجار وزهور، والثانية عند بيت ناصيف التاريخي الذي يشكل نموذجاً حياً للمبنى السكني القديم الذي اعتمده الاهالي في نهاية القرن التاسع عشر. فالتصميم الجديد للموقع يلحظ هدم مبنى المكتب الحالي للتذاكر ومكاتب المديرية العامة للآثار لتحل مكانه منطقة خضراء.
يقع "بيت ناصيف" المؤلف من ثلاث طبقات عند المدخل الرئيسي للمدينة وتجري عملية ترميمه بالوسائل التقليدية وفق المواصفات الفنية والمعمارية المستخدمة، بهدف تزويد الموقع بانشاءات خدماتية جديدة ليكون مركزاً للزائرين ويضم مكاتب المديرية العامة للآثار. وسيعاد ترتيب المساحة التي تحوط المبنى وتحسين مظهر طبقته السفلية، كي يضم شباك التذاكر، ومركز الاستعلامات وصالة عرض للموقع، وغرفة خاصة للسمعي والنظري (audio video) بالاضافة الى مكتبة صغيرة وحمامات جديدة. أما الجزء الذي تجتازه حالياً قناة المياه سيكون مجهزاً لعرض تاريخ الطاحونة التي كانت قائمة، على ان تخصص الطبقة الأولى لمكاتب للمديرية العامة للآثار.
خطوة على طريق الألف ميل
المشروع خطوة على طريق الألف ميل، وفي انتظار انتهاء المرحلة الاولى واطلاق الثانية والثالثة وما يليهما من "مشروع الارث الثقافي والتنمية المدنية" يأمل الجميع في أن تكون الخطوة التالية تأهيل الأماكن الأثرية الأخرى المنشرة في ارجاء بعلبك دفن الاهمال بعضها فضاعت معالمها ولم تعد تبدو لها اي قيمة تاريخية وبعضها الآخر غائب عن السائح نتيجة عدم وجود اي رابط بين هذه الآثار والقلعة.
يذكر أن المرحلة الثانية من المشروع تشمل تأهيل السوق التجارية من ساحة السرايا وطريق رأس العين من جامع النهر حتى محيط متنزه رأس العين، وتشمل الثالثة تأهيل ثكنة غورو وتحويلها مركزاً حكومياً مع كل ما تتطلبه الورشة من ترميم للبماني في داخلها وتجميلها.