هو المفرد، بلا خانة، العصيّ على الضمّ والاختزال. رجلٌ وحدُه، وبخياره. المستقّل بلا استقالة، المنفرد بلا عزلة. محمد عبد الحميد بيضون ليس طائفة وليس حزباً، بل عقلٌ حرّ، أوسع من حدود الطوائف وأذكى من أحزاب مغلقة.
عرفه اللبنانيون طوال سنوات وكأنه جبهة سياسية قائمة بذاتها، يستطيع أن يكون بلغته وبتفكيره أخطر من ائتلاف أحزاب وأقوى من وسيلة إعلامية.
متطرّف في رأيه من دون قدرة أحد على اتّهامه بالتطرّف.
منشقّ عن أي طاعة من دون قدرة أحد على اتهامه بالخيانة.
موالٍ للصواب من دون قدرة أحد على اتّهامه بالتبعية. ووحده هكذا بلا "غطاء" وبلا "دعم" وبلا "سند".
قوته هي تلك الشرقطة في عبارته، الآتية من بصيرة سياسية حقّقها في تجربته المكثّفة يسارياً وقومياً وأملياً"، وتوجّها في الميدان البرلماني والوزاري، فعرف خطايا اليمين وخطايا اليسار، وعاشر الميليشيويين كما عاشر رجالات الدولة. فَهِمَ قسوة الوصاية وأدرك أخطاء جيله بحقّ لبنان والهوية الوطنية.
من قوّة تلك التجارب، خرج محمد عبد الحميد بيضون بإرادته وعناده واستقلاليته عن تسلّط العرّابين وفسادهم، مغامراً بكل رصيده السياسي من أجل أن يكسب نفسه ويتصالح مع قناعاته.
منذ سنوات وحتى اليوم بقي محمد عبد الحميد بيضون بعيداً عن 14 آذار السياسية، مقيماً في تلك النواة الوجدانية التي حفّزت انتفاضة الاستقلال، وكان قراره أن يظلّ في موقعه حتى حين كانت التسويات تفرض وقائعها ولغتها. فكان الرأي العام يرى فيه، في لحظات المهادنة والمداورة، أنه الوحيد الذي لم يرضخ، بل إن جمهور 14 آذار كان أحياناً يؤيده أكثر مما يؤيد قادته! في حين أن خصومه وجمهور خصومه لم يتجرّأوا ولو مرة على الاستخفاف أو التعريض به.
أمس كان هو مفاجأة مهرجان "البيال"، مفاجأة تقول إن محمد عبد الحميد بيضون لم يأتِ الى 14 آذار بل أن عودة 14 آذار الى جذورها أكسبتها هذا الرجل المعقل الحصين.