بوضوح شديد رسم الرئيس سعد الحريري من على منبر البيال خارطة الطريق الى المرحلة السياسية الاتية، وبيّن ثوابتها. الاهم هنا ان ذكرى 14 شباط 2005 التي كانت السبب في اطلاق حراك شعبي وسياسي ضخم انجز الكثير في الفترة الماضية، هي نفسها تعيد اليوم توليد المشهد السياسي الجديد وتجبر جميع الذين ساروا في مرحلة ما بالحلول الوسط على العودة الى الثوابت.
ولعل لهذا الحراك السياسي والشعبي المنتظر ان يؤتي بثمار لا تقل اهمية عما انتجه في العام 2005، وهو إن نجح في التفوق على المستوى الاقليمي باجبار الاحتلال السوري على الجلاء عن الارض اللبنانية وحقق مكتسبات سياسية داخلية متربطة بالبعد السوري، فإنه هذه المرة امام اختبار تحقيق انجاز على المستوى الداخلي لاستئصال "المرض الخبيث" مرة واحدة وللأبد.
المعارضة على اساس ديمقراطي والملتزمة بالدستور ستكون قادرة على قلب معادلات يجهد الفريق الآخر لتركيبها، وتستفيد قوى "14 آذار" من عوامل ستصب في مصلحتها حتما من شأنها ان تؤمن النجاح المرجو. من هذه العوامل:
أولا: الانقسام الحاد السائد في اوساط الفريق الآخر والذي بات واضحا الى العيان من خلال التهافت على الحصص في الحكومة "اللقيطة" التي لا تجد ابا يتبناها الى هذه اللحظة.
ثانيا: انشغال النظام السوري في المرحلة الراهنة عن الملف اللبناني او على الاقل تأخيره في سلم الاولويات بسبب انشغاله بمتابعة المتغيرات الاقليمية والتي ليست ببعيدة عنه. وهذا التهديد يبدو جديا إذا ما أخذ بعين الاعتبار ما نشرته صحيفة اميركية عن ان القيادة الايرانية طلبت من "حزب الله" تأمين حماية استمرارية النظام السوري وإراحته قليلا من الهم اللبناني ليتسنى له التفرغ للداخل غير المستقر.
ثالثا: تأخر تشكيل الحكومة بما يضع ضغوطا اضافية على "حزب الله" لجهة عدم تمكنه من تنفيذ مخططه لمواجهة المحكمة. وبما ان لا مؤشرات على قيام الحكومة الجديد في مرحلة منظورة لأسباب محلية واقليمية مختلفة، فإن الحزب سيكون عرضة لضغوط نفسية وشعبية تطالبه بترجمة رغباته في مواجهة المحكمة، لكنه سيجد نفسه من دون قدرة فعلية على القيام بذلك، وهذه ستكون فرصة لقوى "14 آذار" للانقضاض على الخصم وتعريته امام جمهوره.
رابعا: إن ارتفاع حماسة الشارع المؤيد للطروحات التي ترفعها قوى "14 آذار"، وهي في الاصل ما يطلبه الشارع والقاعدة الشعبية منذ زمن، سيشكل مفصلا اساسيا في قدرة هذا التغيّر السياسي على إيجاد ديناميكية شعبية تترجم الشعارات الى وقائع والموعد الاول لذلك سيكون في ساحة الحرية خلال شهر. ولأن القيادات عادت الى ثوابت الشارع والى نبض الناس الحقيقي، فإن ذلك سيشجع اللبنانيين ممن يناصرون هذه القوى على العودة مجددا الى الساحة ليقولوا كلمتهم.
وإذا ما تقاطعت هذه العوامل، فإن النتيجة ستصب في مصلحة "14 آذار" حكما بشرط ان تتدارك نفسها وتحصن سلوكها من الاخطاء التي لا تحصر في القبول بمبدأ التسويات وحسب، بل يمكن ان تتخطاه الى هفوات تكتيكية. المرحلة الجديدة بدأت وعناوينها معروفة، قوى "14 آذار" اعدت العدة، ورفعت شعارات المواجهة وهي ستخوض المعارك على كل الجبهات بحكمة وعقل ومن ضمن الثوابت، إذا وباستعادة لعبد الحليم حافظ في زمن الحرب "يا اهلا بالمعارك".