لحظة وصوله الى رئاسة الحكومة الانتقالية منتصف ليل 23-24 أيلول 1988، راهن قسم من المسيحيين في لبنان على أن ثمة أحداثا إيجابية تنتظر لبنان، في ظل كل العمل الدعائي المنظم الذي كانت تتولاه مديرية المخابرات في الجيش اللبناني التابعة للعماد ميشال عون آنذاك، والذي بلغ ذروته مع إصدار كتاب "الجيش هو الحلّ" للعميد فؤاد عون.
لكن الواقع الفعلي كان بعيدا عن المرتجى، إذ إن عون أثبت من جهة استعداده لأي عمل مجنون من أجل الوصول الى كرسي بعبدا، ولو على دماء المسيحيين وأرزاقهم، وتجلى ذلك في الحرب الأولى ضد "القوات اللبنانية" في 14 شباط 1989 بعد عودته من اجتماعات الجامعة العربية في تونس، ومن جهة ثانية برهن عن غباء سياسي منقطع النظير تجلى في الإعلان عن "حرب تحرير" مزعومة ضد سوريا. هذه الحرب أدّت حصرا الى إضعاف المسيحيين وإطلاق يد سوريا في لبنان بعدما سبح عون عكس التحضيرات الإقليمية والدولية لإطلاق مفاوضات السلام المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وبالفعل فإن ورشة التحضير الفعلية لهذه المفاوضات كانت انطلقت مع أول حجر رمي في الانتفاضة الأولى التي أطلقها الفلسطينيون داخل الأراضي الفلسطينية، لكن الحروب العبثية التي أطلقها عون على أكثر من جبهة داخل لبنان أرجأ انعقاد المفاوضات حتى العام 1991. هكذا، وفي حين كان العالم يركز أنظاره على الأراضي الفلسطينية عمد عون الى محاولة تشتيت الأنظار وإشعال حرائق داخلية في لبنان، في ظل عجزه عن إجراء أي قراءة استراتيجية لتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية.
هكذا كان عون يسبح عكس التيّار، فدفع الثمن شخصيا في 13 تشرين الأول 1990، ودفع المسيحيون الثمن غاليا قبله بفعل التدمير الشامل للمناطق المسيحية إضافة الى وقوع آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى ومئات آلاف المهاجرين بين المسيحيين، ما أدى الى إضعاف القدرات المسيحية بشكل لم يسبق له مثيل منذ قيام الدولة اللبنانية.
هكذا هرب عون من قصر بعبدا لاجئا الى السفارة الفرنسية تاركا وراءه ضباطه وجنوده وعائلته. وخاض عون بعد ذلك تجربة المنفى الباريسي 14 عاما وصل خلالها الى الكونغرس الأميركي للمطالبة بإقرار قانون محاسبة سوريا والتباهي بأبوّة القرار 1559.
هذه المسيرة لـ"التيّار الوطني الحرّ" الى جانب القوى السيادية، وتحت رعاية الكنيسة المارونية التي أطلقت نداءها الشهير في أيلول 2000 وبعده لقاء قرنة شهوان، أسّست تلاقيا لبنانيا سياسيا جامعا في البريستول قبل أن يتحوّل لقاء شعبيا تاريخيا في 14 آذار 2005.
لكن، مرّة جديدة يذهب عون للسباحة عكس التيّار، وعكس تيّاره أيضا، فيعود الى لبنان بصفقة يعقدها مع النظام السوري وأدواته ويذهب في اتجاه توقيع ورقة ذميّة وتبعية وخضوع لحزب ولاية الفقيه في لبنان في 6 شباط 2006.
ولم يكتف عون بذلك، ففي حين تعصف رياح الحريّة بعدد من الأنظمة العربية، يلتجئ عون الى أسوأ نظامين ديكتاتوريين وشموليين في الشرق الأوسط: السوري والإيراني! لا بل بات عون يرى في كل الدول الغربية المتحضرة "الشرّ الأعظم"، أما سوريا وإيران فباتا خشبة الخلاص له!!!
لكم احترف النائب ميشال عون السباحة عكس التيّار، وهذه السباحة لطالما كبّدت المسيحيين الخسارة تلو الخسارة والويلات المتلاحقة. ويبدو عون اليوم يتابع تنفيذ السياسة المرسومة له من أولياء نعمته إياهم الذين طلبوا وضغطوا لتعيينه قائدا للجيش، وسهلوا في الـ2005 عودته الى لبنان، وباتوا يرسلون له الطائرة الرئاسية لنقله في زياراته الدمشقية، في سباحة مستمرّة عكس إرادة تيّاره وعكس التيّار التاريخي للمسيحيين في محاولة مجنونة للإجهاز على كل مقوّمات صمود المسيحيين وممانعتهم ومقاومتهم.
ختاما، وفي زمن الابتهاج العوني بتنحّي الرئيس المصري حسني مبارك، والذي للمفارقة لا يزال على الأراضي المصرية ويقيم في القصر الرئاسي في شرم الشيخ، وفي زمن يصرّ فيه العونيون على كافة مستوياتهم، وزراء ونوابا وقياديين يصرّون على إضافة لقب "دولة الرئيس" قبل اسم النائب ميشال عون، على اعتبار أنه كان رئيسا لحكومة انتقالية، فالأدق في التسمية عندها أن تكون "دولة الرئيس المخلوع" ميشال عون، لأنه يشبه تماما في حالته الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، بحيث أن الاثنين فرّا الى خارج البلاد محوّلين عشرات ملايين الدولارات الى حساباتهما الشخصية، ولكن مع فارق وحيد وهو أن بن علي أخذ عائلته معه فكان أكثر وفاء لأقرب المقرّبين إليه على عكس ميشال عون الذي ترك عائلته في القصر… وهرب.