#adsense

استذكار 14 شباط بتظاهرة لـ«المعارضة الجديدة» ضد سوريا والمقاومة وجنبلاط الحريري مهاجماً بـ«مدفعية» جعجع وبيان الإفتاء … و«خيانة» ميقاتي استنفار «سني» بجمهور «القوات» وتمثيل هزلي للشيعة ورمزي للدروز: إلى 14 آذار در!

حجم الخط

كتب المحرر السياسي:

لا يستطيع أي لبناني أو غير لبناني أن ينكر المشهد العاطفي والرومانسي في 14 آذار 2005، يوم احتشد طيف لبناني مليوني كبير في ساحة الشهداء، في تعبير عن التوق الى الحد الأدنى من الكرامة الوطنية، لكن الإدارة السياسية لذلك الجمهور سرعان ما وضعت تلك الأحلام على سكة أوهام ومراهنات بلغت أوجها عندما تجاوز البعض خطاب «البحر من أمامكم والعدو من ورائكم»، ليصل في تموز 2006، الى حد تبني الحرب الإسرائيلية ضد بلده، بعناوين مختلفة، أبرزها آنذاك أننا نرفض أي هدنة تؤدي الى استمرار الأمر الواقع في تشجيع علني لإسرائيل لمواصلة حربها ضد لبنان.

ولقد بلغ الأمر ذروته في اجتماع البريستول غداة الحرب الاسرائيلية الثانية، يوم طلبت «الأكثرية السابقة» من المقاومة تسليم سلاحها تحت شعار أن تحتكر الدولة قرار الحرب والسلم، بينما كان أهل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية والمقاومون يلملمون أشلاء ضحاياهم من تحت الأبنية المدمرة والمجازر المشرعة.

وفي الرابع عشر من شباط 2011، يذهب فريق سياسي لبناني الى «البيال»، بعد أن عرج قبل ذلك على دار الفتوى، من دون أن يخضع نفسه لمساءلة الحد الأدنى، بعد ست سنوات من النكسات المتتالية: لماذا انفك ميشال عون عن حركة الرابع عشر من آذار ومن قال عشية السابع من أيار 2005 أنه يفضل أن يعتزل السياسة ويهاجر من لبنان اذا كان ميشال عون يريد أن ينضم للحكومة الجديدة، في تعبير عن حقد كانت تتوالى فصوله وبلغ ذروته حد الوقاحة بمطالبة جاك شيراك بعرقلة عودة «الجنرال» الى لبنان؟

لماذا انفك وليد جنبلاط عن حركة الرابع عشر من آذار؟ واذا كان قد فعل ذلك مرغما، فهل بادر قبل يومين الى اطلاق الرصاص ابتهاجا بخلع حسني مبارك تحت وطأة التهديد بالسلاح والمقنعين؟ وهل أشاد بما واجه به وليد سكرية بعض مشايخ دار الفتوى تحت وطأة الخوف من «الولي الفقيه»؟ لماذا قرر نسيب لحود أن يتمايز عن 14 آذار ولماذا خرج محمد الصفدي من هذا الاصطفاف الذي يريد له البعض أن يتحول الى حكم «الحزب السني الواحد». الأمر نفسه يسري على نجيب ميقاتي وأحمد كرامي الذي قيل له عشية التكليف من أحد «صقور 14 آذار «ها هو الفانوس السحري بين يديك يا أحمد بيك. قل شبيك لبيك، وأطلب الرقم الذي تريده وسيكون خلال دقائق بين يديك»؟

نعم، لماذا انفك كل هؤلاء.. ولكن السؤال الأكبر لماذا انفك ذاك الجمهور اللبناني الكبير والعفوي الذي لم يكن ينتمي إلى أحزاب حركة 14 آذار؟ وهل التعويض يكون بذلك الاستدراج الهزيل ليساري أسبق و«حركي» سابق وفاسد في السياسة والوزارة إلى منبر رفيق الحريري؟ وهل التعويض درزيا يكون بوضع مروان حمادة في الصف الأمامي وجعل اسمه يتردد بشكل قياسي على ألسنة الخطباء الأربعة؟

إلى أين يأخذ سعد الحريري جمهوره؟ الى حيث يريد سمير جعجع قاتل رشيد كرامي أم أمين الجميل الذي دخل الى «البيال» واضعا يده على «جيبه» وقلبه عند نجيب ميقاتي؟

نعم، الى أين يأخذ سعد الحريري جمهوره، الى العزلة؟ أم الى الانفتاح على باقي الأطياف اللبنانية؟

الى أين يأخذ سعد الحريري جمهوره، الى قصر زين العابدين بن علي أم الى قصر حسني مبارك، أم الى حيث كان باراك أوباما سيد البيت الأبيض، يصدر بالأمس موقفه السنوي التقليدي، الداعي الى عدم المس بالمحكمة الدولية، قائلا «لن نقبل باية محاولة للتدخل في عمل المحكمة او لاثارة التوتر في لبنان» مضيفا ان المحكمة «ستكشف الحقيقة خلف هذا العمل الارهابي المشين».

نعم، لم يكن منتظراً بالأمس من سعد الحريري أقل من هذه المواقف التي خطا فيها خطوة جديدة إلى الوراء الى حد طرح أحد العتيقين في «الكار» سؤالا مفاده هل ذهب سعد الحريري في يوم من الأيام الى دمشق أم أننا كنا نشاهد نسخا ثانية منه؟

نعم، ها هو سعد الحريري يعيد «تجديد» انطلاقته السياسية من النقطة التي بدأها قبل ست سنوات، معترفاً للمرة الأولى بأنه غير ذي تجربة وبأن أداءه شابه الكثير من عدم النضوج، فاذا به في السلطة يثبت جدارة غير مسبوقة ويريد لجمهوره أن يجرب معه كيف يقوده في المعارضة، بفارق بسيط جدا، أنه لم يقرأ أبدا تجربة رفيق الحريري في الحكم، ويريد أن يقرأ الحرف الأخير من تجربة رفيق الحريري في المعارضة، ولعل الفارق كبير، ويكفي للتدليل على ذلك، أن الرئيس الشهيد ذهب الى الرئيس المكلف الدكتور سليم الحص وقال له في العام 1998، «أنا معك»، ليستفيد لاحقا من صورته كبيرا في السلطة، وأكبر منها خارجها، وبقيمة مضافة قدمها له خصومه يوم فتحوا الحرب عليه ليكسبوه جمهورا جديدا وعطفا متجددا.

لكن هذا الاعتراف بضعف الخبرة السياسية لم يدفع سعد الحريري إلى إجراء مراجعة سياسية حقيقية في مجمل السلوك السياسي، وإنما استخدمه مجدداً من أجل إعادة ترميم علاقته بجمهوره وتعويض خسارته رئاسة الحكومة والعودة الى لعبة التحشيد في الساحات وربما أكثر من ذلك، وذلك تمهيداً لبداية جديدة معه تحت ذات العناوين السياسية التي كان بدأ يتخلّى عنها حينما كانت مفاوضات «س. س« قائمة لضمان موقعه في رئاسة الحكومة، وهنا يبرز التناقض واضحاً بين ما انتهى إليه الحريري قبل سقوط التسوية السورية ـ السعودية وبين الانطلاقة الجديدة بمضمون نقيض لما كانت حققته تلك التسوية سعياً إلى استعادة شعارات سقطت بالتدرّج منذ أن شكّل حكومته بعد الانتخابات النيابية في العام 2009.

عملياً، يمكن القول إن الحريري سحب اعترافه بالبيان الوزاري لحكومته في ما يتعلّق بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة، وألغى دور طاولة الحوار في النظر بالاستراتيجية الدفاعية، بإعلانه أن مواجهة السلاح في سلم الأولويات الوطنية، وسعى إلى استعادة المبادرة التي خسرها لصالح الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي من لقاء المجلس الاسلامي الشرعي الأعلى الذي منح الرئيس المكلف تغطية إسلامية سنية واسعة، ولو كانت مشروطة بـ«التبصّر»، في تكليفه.

لكن الحريري كرّس في ذلك، انتقاله إلى صفوف المعارضة، مستندا الى مدفعية سمير جعجع الخطابية هذه المرة والموجهة حصرا ضد دمشق وايران و«حزب الله»، وما قاله الاول مواربة قاله الثاني صراحة وتحديدا في ما خص العلاقة مع سوريا، ما يعني أنه استسلم لخروجه من الحكم مرحلياً استعداداً لورشة تحركات يريد أن تحمله مجدداً إلى سدة الرئاسة الثالثة، محاولاً استثمار انتفاضة الشعب المصري والتمثّل بها، وهو الذي كان إعلامه حتى قبل سقوط حسني مبارك بساعات يتناغم مع الإعلام المصري الرسمي الذي كان يقف ضد الانتفاضة المصرية، فيما كان «مكتبه السياسي» يقيم «مجلس عزاء»، إلا إذا كان الحريري يعتبر أن سقوط مبارك سيأتي بحليف أقوى منه وقادر على تقديم «أشكال» أخرى من الدعم لفريقه السياسي، في غياب المتابعة السعودية بعد اعلان المملكة سحب يدها من ملف التسوية اللبنانية.

من الواضح أن خطاب الحريري قد يساهم في إعادة شدّ العصب السياسي والمذهبي خلفه، لكن الأكيد أن الشارع السني شهد تغييرات ملموسة، خصوصاً في طرابلس والشمال حيث كان مصدر الزخم الأساسي لجمهور 14 آذار وتيار المستقبل على وجه التحديد، فضلاً عن أن إسراع نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة سيسحب من أيدي الحريري سلاح السلطة وتوابعها الأمنية التي كانت الذراع الأقوى في استخدامات الحريري إلى جانب سلاح المال، ولعل ما فعله الحريري يطلق يد ميقاتي اعتبارا من اليوم وبتسهيلات من حلفائه الجدد وتحديدا ميشال عون، من أجل تمرير التشكيلة سريعا.

ومن الأسباب الموجبة اعلان سعد الحريري الانتقال رسميا الى ضفة المعارضة لا بل المواجهة السياسية تحت عناوين التمسك بالمحكمة الدولية ومواجهة سلاح «حزب الله»، والتمسك بالدستور (الطائف) وكلها تنذر بالانتقال عمليا الى مرحلة مفتوحة على مواجهة سياسية، خاصة في ظل ما يتردد عن تحرّك ممنهج تمهد له قوى «14 اذار» ويندرج في سياقه التجمع الجماهيري الذي دعا اليه الحريري في ساحة الشهداء في الرابع عشر من اذار المقبل.

لقد سعى الحريري الى تقديم نفسه كزعيم حسم خياره بالانتقال الى جبهة المعارضة في مواجهة ما وصفها «السلطة المسروقة» مستخدما ذات اللغة العاطفية والسياسية التجييشية السابقة، رافعا جملة «لاءات» بمنطق هجومي حيال «من يعتقدون أنهم تمكنوا مني، بالغدر والكذب والخيانة وانعدام الوفاء»، غامزا بذلك من قناة حلفائه السابقين وفي مقدمهم وليد جنبلاط الذي تقول أوساطه انه مستاء وانه في صدد تحضير بيان للرد.

وتحت العنوان ذاته غمز من قناة نجيب ميقاتي، الذي لم يعتبر نفسه معنيا بكلام الحريري «عن الغدر والخيانة»، علما أن الحريري كان واضحا بقوله «لا وسطية بين الجريمة والعدالة ولا وسطية بين السيادة والوصاية ولا وسطية بين عروبة لبنان وزجه في محور إقليمي لا علاقة له لا بالعروبة ولا بلبنان. والأهم الأهم، لا وسطية بين الصدق والخديعة، وبين العهد المقطوع والخيانة»!

وإذا كان الحريري قد بدا جازما بان المحكمة ستنزل القصاص بالقتلة والإرهابيين، الا انه قدم صورة تقريبية للقرار الاتهامي المنتظر صدوره عن مدعي عام المحكمة دانيال بيلمار والجهة التي سيطالها هذا القرار، حيث بدا عارفا بمضمون هذا القرار ولم ينتبه الى أنه نقض نفيا سابقا له عندما رد على السيد حسن نصرالله بأنه لم يبلغه في أيار 2009، بمضمون القرار الاتهامي وليس صحيحا أنه قال له أن أفرادا سيتهمون وأنه سيعلن أن اتهام أفراد لا يعني اتهام طائفة أو حزب!
بالأمس قال الحريري ما نفاه سابقا، وكأننا كنا أمام «حقيقة ليكس» من دون محققين دوليين هذه المرة، فقد قال زعيم «المستقبل» من دون أن يدري ما يقول «ان الاتهامات لن تلقى جزافا، بل ستطال أفرادا وليس أحزابا او طوائف، بالاستناد الى أدلة وبراهين، وإذا أراد أحد أن يضع نفسه في خانة المتهمين، فهذا خياره، وهذا طريق يختاره بنفسه. أما نحن، فسندعم المحكمة وقرارها وحكمها، ولن نقول يوما أن التهمة موجهة إلى طائفة، أو حزب أو فئة».

في الختام، بدا واضحا ان الحريري حاول إعطاء تبرير سياسي ركيك لزياراته الخمس الى سوريا «كرئيس لحكومة لبنان وكابن الرئيس رفيق الحريري»، لكن سمير جعجع كان هذه المرة اكثر صراحة منه حينما رسم حدود العلاقة مع سوريا بانها كما كانت في 13 شباط 2005، أي أننا ما زلنا في «مرحلة الوصاية» حسب المفهوم «القواتي» للعلاقة مع سوريا.

المصدر:
السفير

خبر عاجل