من يقرأ افتتاحية جريدة “السفير” الصادرة صباح الثلثاء 15 شباط 2011 يدرك جيّدا أن جميل السيّد خرج من السجن. فمن دون مقدمات ولا مطوّلات عاد السيّد ليمارس هوايته التي يعرفها عدد كبير من السياسيين اللبنانيين: التحريض المباشر والتافه عبر مانشيت صحيفة “السفير”.
لقراءة افتتاحية السفير اضغط هنا
ليست المرّة الأولى التي يفعلها جميل السيّد. يبدو أن لقاء البيال في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء “ثورة الأرز” أفقد السيّد صوابه، فلجأ الى أساليبه القديمة البالية إياها: الكتابة باسم “المحرّر السياسي” في صحيفة “السفير” التي بات الجميع يعلم كيف تمارس الابتزاز للحصول على تمويلها السياسي بواسطة سلطات الاحتلال والوصاية السورية.
تفاصيل كثيرة تثير السخرية في ما كتبه السيّد على صفحات “السفير” المسخّرة للأجندة السورية – الحزب الالهية:
ـ يتهم السيّد في عنوانه تيّار المستقبل ضمنا بعدم قدرته على حشد جمهوره في قاعة “البيال” من خلال الإيحاء الوارد في العنوان بقوله “استنفار سني بجمهور القوات”. وهذا الاتهام مضحك- مبك ودليل على غباء متعاظم في التحليل، لأن هذا الاتهام السخيف إنما يزيد في الالتفاف الشعبي السني حول الرئيس سعد الحريري، كما أن الجمهور السني بات مقتنعا أكثر من أي وقت بالتحالف المتين مع “القوات اللبنانية”، وكل محاولات الفصل بين الجمهور المسيحي عموما والقواتي تحديدا وجمهور تيار المستقبل لن تجدي نفعا لأن هذا التحالف مبني على ثوابت وطنية تحقق المصالح اللبنانية وليس قائما على مصالح شخصية أو حزبية ضيقة.
ـ يصف السيّد يوم 14 آذار 2005 بـ “المشهد العاطفي والرومانسي، يوم احتشد طيف لبناني مليوني كبير في ساحة الشهداء، في تعبير عن التوق الى الحد الأدنى من الكرامة الوطنية”… وفات السيّد أن ما حدث كان انتفاضة حقيقية وثورة ألهبت قلوب العالم وأدّت الى خروج جيش الاحتلال السوري وأجهزة استخباراته من لبنان، كما أدّت الى انهيار النظام الأمني الحديدي الذي كان هو أبرز وجوهه. كما أن التوق يوم 14 آذار كان الى أقصى حد من الكرامة عنوانها الدولة القوية والسلاح والواحد والعدالة الدولية، ولم ينشد اللبنانيون يوما “حدا أدنى من الكرامة الوطنية”، إلا في مفهوم الذين لم يعودوا يملكون الحد الأدنى من الكرامة الشخصية!
ـ وإذا كانت تهم العمالة لإسرائيل لم تعد تنطلي على أحد، بل يكفيه أن يسأل عنها أسياده في دمشق الذين كانوا يرسلون موفدين سوريين الى تل أبيب على أشلاء اللبنانيين، فإنه من المفيد تذكير من يطرح أسئلة ببعض الحقائق الثابتة:
السؤال لماذا انفك ميشال عون عن حركة الرابع عشر من آذار جوابه واضح: ميشال عون لم يكن يوما في صلب 14 آذار، فجمهوره سبقه الى ساحة الحرية انسجاما مع الخيارات التاريخية للمسيحيين. لكن ميشال عون ابتعد عن مسار 14 آذار لأنه عاد ضمن صفقة واضحة مع السوريين ظهرت فصولها تباعا، وصولا الى تموضع عون الجديد ضمن المحور السوري- الإيراني والمناقض لمسيرته خلال مرحلة النفي.
والجواب عن سؤال لماذا انفك وليد جنبلاط عن 14 آذار واضح: إسألوا عن أسباب الهجوم على مناطق عدة في الجبل في 9 و10 و11 أيار 2008. إسألوا عن أسباب الهجوم على الشويفات وعاليه ومرستي والباروك…
واسألوا عن اشباكات برج أبي حيدر برسائلها المتعددة. واسألوا عن مقتل الزيادين وعن استشهاد لطفي زين الدين وهو عائد من ذكرى 14 شباط 2009… ولا تنسوا أن تسألوا عن الانتشار الأمني لأصحاب البذات السود صباح الثلثاء 18 كانون الثاني 2011 في أحياء العاصمة!
أما لماذا بادر جنبلاط “الى اطلاق الرصاص ابتهاجا بخلع حسني مبارك تحت وطأة التهديد بالسلاح والمقنعين؟ وهل أشاد بما واجه به وليد سكرية بعض مشايخ دار الفتوى تحت وطأة الخوف من «الولي الفقيه»؟ فإننا نحيل السائل عن سرّ جنبلاط في الذهاب الى أقصى التطرّف، ربما ينفع أن يسأله عن ساعات “التخلي” التي يمرّ بها في كل الاتجاهات… ولن نعلق بأكثر من ذلك. لكن الثابت أن جمهور طائفة الموحدين الدروز لا يزال في قلب “ثورة الأرز” ولم تنفع كل المحاولات لاستعادته مجددا الى “بيت الطاعة” السوري. أما الشهيد الحي مروان حمادة فهو رمز بارز من رموز 14 آذار غصبا عن الذين حاولوا اغتياله واغتيال الوطن وفشلوا.
ـ أما لجهة اتهام الدكتور سمير جعجع بأنه “قاتل رشيد كرامي” فهو اتهام مبني على قضاء عضومي ومستند الى ملفات فبركها جميل السيّد نفسه، في أقبيته السود ليس أكثر. والغريب أن تسمح صحيفة بنشر ما نشرته “السفير” تحت اسم “المحرر السياسي” بحيث تصنّف السياسيين والأحزاب بحسب أحكام مفبركة. وهنا السؤال، هل يجوز تسمية “حزب الله” بحزب قتلة كوادر الحزب الشيوعي، أو حزب العمليات الإرهابية مثل تفجير مقر المارينز في بيروت، أو حزب خطف الطائرات والأجانب، أو حزب قتلة النقيب الشهيد سامر حنا وقبله ضباط الجيش اللبناني في البقاع الغربي…
أو ربما يجب تسمية النظام السوري بنظام الإجرام الذي اغتال المفتي حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والرئيسين بشير الجميل ورينيه معوض والنائبين كمال جنبلاط وناظم القادري و… قد لا ننتهي من تعداد مواصفات سوريا وجماعتها من أولياء نعمة “السفير”، وهذه المواصفات حقيقية مئة في المئة وليست كالاتهامات التي تساق بحق الدكتور جعجع والمبنية على ملفات مزورة وإرادة تصفية سياسية ليس أكثر.
ـ أما أن يكون الرئيس الحريري يستند الى “مدفعية سمير جعجع الخطابية هذه المرة والموجهة حصرا ضد دمشق وايران و«حزب الله»، فإن ذلك يشكل مصدر فخر لجعجع، وستبقى “مدفعية” مواقف جعجع الثابتة كما دائما تدك كل المتطاولين على سيادة لبنان وأسس الدولة فيه وعلى كل الراغبين بالعبث بسيادة لبنان واستقلاله وحريته وضرورة إحقاق العدالة فيه ووضع حد لكل المجرمين الحقيقيين.
ولكن طالما أن جميل السيّد عاد ليكتب افتتاحية “السفير” فلا عجب أن تكون هذه الصحيفة بهذا المستوى المتدني، لأنه ربما أصبح السيّد وكيل “السفير” الجديد- القديم في عمليات الابتزاز السياسي بهدف الحصول على حفنات من الدولارات على جري عادات القيمين على هذه الصحيفة…
الأمر الوحيد الثابت الذي يمكن استخلاصه من افتتاحية “السفير” هو أن قوى 14 آذار، وبعد احتفال البيال في 14 شباط 2011، عادت الى وهجها وألقها وخطها الصحيح… ولهذا جن جنون “السفير”، أو بالأحرى جن جنون جميل السيّد عبر “السفير”.