يدخل الشيخ أمين الجميّل الى قاعة "البيال" مثقلاً بدماء عزيزة على قلبه ووطنه، يخترق الجموع بهامة ثابتة، تمهّد لما سيؤكده عند اعتلائه منصّة الخطباء، إن دماء الشهداء والعدالة والأوطان خارج التنازلات.
الشيخ أمين أرزة من ثورة الأرز يعود ليؤكد للمشكّكين ان ثورة كثورة الأرز لن تأكل أبناءها.
على الشاشة الكبيرة التي يراها الناس من كل القاعة تظهر جويس، المرأة التي تتحمل كل يوم ألماً زائداً كمثل كل أم عندما ترى صورة ابنها معلقة في غرف البيت، الابن الذي كان أقرب الناس إليها في المراحل الصعبة التي كان ممنوعاً على زوجها أن يزور لبنان أيام الوصاية، كل يوم يمر عليها هو يوم صعب ومرّ، والشيخ أمين يرى كل يوم هذا الألم عند جويس فيما ألمه يغور عميقاً في القلب ولا شيء يخرجه لأنه يتعكز على دموع الأم وينتظر أن تبتعد قليلاً ليحمل صورة الابن ويحكي لها قليلاً من الحب.
يسير الشيخ أمين بهدوء، يلقي التحية على الأصدقاء، كل هؤلاء أحبته بعضهم يعرفه منذ أعوام طويلة ولكن منذ ست سنوات صاروا كلهم الأصدقاء الذين لا يتخلى عنهم. يلقي التحية كأنه يوم عادي، ولكنه في الوقت الذي قام ليلقي كلمته تبين للموجودين هناك ولمن يستمع إليه خارج القاعة أن صوته كان مختلفاً، محاولاً التكلم بهدوء والدخول في حديث السياسة. انتبه الجالسون في القاعة أن الدقائق التي عرض فيها الفيلم القصير عن حياة الشهيد بيار أمين الجميل كانت كافية لتأخذ الكثير من القلب والجهد كأنما هناك دمعة توقفت في وسط الحنجرة تندفع للخروج فيما بعض الصوت يقول لها ابق هناك.
قبل أن يصعد إلى المنصة كانت الشاشة تستعرض صور الشهيد بيار الابن الذي فقده في عيد الاستقلال وكانت العائلة الكتائبية موجودة في "البيال" تشارك في هذا اليوم، أعضاء حزبيون ومناضلون قدامى وأعضاء من المكتب السياسي، فيما سامي يجلس بين صفوف جمهور آذار ليكون كما العادة أقرب إلى القلب، يستمع إلى نبضه ويؤسس معه لمرحلة جديدة.
كلمة الشيخ أمين كانت واضحة، دعا إلى الكف عن التنازل "فنحن أهلُ الثبات على المواثيق والعهود، لا أهل المساومات والتقلُّبات"، كان واضحاً وخصوصاً في الدفاع عن المحكمة الخاصة بلبنان ورفض السلاح غير الشرعي.
كان الجمهور الاستقلالي هناك في "البيال" يدرك أن حركة الاستقلال اللبناني هي من أصعب حركات التحرر في العالم، حركة تحتاج إلى الكثير من الجهد النضالي والدستوري والديموقراطي، والشيخ أمين قال لهم إننا "لا نعيش اليوم الديمقراطيةَ التوافقيّةَ أو الديمقراطيّةَ الأكثرية، بل شريعةَ القوة، القوّة في الشارع والقوّةِ في المؤسسات والقوةِ في الحوار، وهكذا لا نَبني بلداً، هكذا نُقَسِّمُ بلداً، نُنهي دولةً، ونسقط نظاماً"، وسأل: "هل تريدون أنْ نَهدُمَ ما بَنيناه طَوالَ 90 سنةٍ من كيانٍ ودولة؟ وما بنيناه طَوالَ 68 عاماً من استقلالٍ وميثاقِ عيشٍ مشترَك؟". وقال: "نحن مدعوونَ اليومْ لإنقاذِ الكِيانِ والميثاقِ والدولةِ والنظامِ والاستقلال. لذلك، إنَّ جوهرَ الصراعِ الآن ليس حولَ المشاركةِ في الحكومة، إنما التضامنُ لمقاومةِ مشروعِ إسقاطِ كلِّ هذه المُسلِّماتِ الوطنيةِ والدستوريةِ والاجتماعيةِ والإنسانيةِ التي شيَّدناها عَبرَ الأجيالِ والعصورِ".
كان واضحاً في دفاعه عن لبنان الكيان والدولة، هذا الحلم الحر في شرق بدأ يبحث الآن عن حريته الحقيقية، شرق يبحث عن التنوع والاختلاف في مواجهة الظلم والاستبداد والقمع.
أمس في "البيال" كان الشيخ أمين أكثر حضوراً بحب الناس له ولحزبه وعائلته، ولبيار الذي بكته الأم دمعتين ووردة، ولم تنزو في ثياب الحداد، هكذا قدر أمين الجميل أن يبكي الكثيرين من حوله ولكنه بالتأكيد يعرف أن الوطن ينتصر به للوصول إلى الدولة العادلة.