#dfp #adsense

الثورة على الثورة

حجم الخط

لإننا في حضرة تاريخ لا يرحم، ولأنه على مرّ الزمن ثبت بما لا يقبل الشك أن الصعاب تصقل الأقوياء وتمحو الضعفاء، لذا كان 14 شباط 2011 يوم الأقوياء بامتياز، يوم مفصليّ، يوم غاب فيه الضعفاء عن الحضور، هؤلاء الضعفاء الذين استسلموا للقمصان السود وصمّوا آذانهم عن أصوات ناخبيهم، واستبدلوا نصاعة قضيتهم بسواد الانقلاب، رجّحوا كفّة الباطل الذي لا يدوم على الحقّ الذي لا يموت، فالويل كلّ الويل لهم من حكم التاريخ وغضب شعبٍ سلّمهم أمانةً غدروا بها وسمحوا بقتل الشهداء مرتين.

إلاّ أن ما يثلج القلوب هو ذاك اليوم التاريخيّ في البيال الذي وضع النقاط على الحروف حيث توجّه قادة "14 آذار" إلى جمهورهم بصراحة وبساطة، ومن دون مقدمات، بلا خجل أو وجل، وضعوا الإصبع على الجرح وأقرّوا بالتنازلات غير المبررة التي سمحت "للأوصياء الجدد" بالانقضاض على بعض مكتسبات ثورة الأرز.

نعم، هؤلاء هم القادة الحقيقيون الذين رفضوا استبدال دماء الشهداء بإغراءات السلطة، فمنهم من قدّم فلذة كبده شهيداً، ومنهم من قدّم أحد أصوله على مذبح الوطن، ومنهم من استشهد مرات ومرات، إلاّ أن العناية الإلهية أنقذته أيضاً مرات ومرات وما زالت حياته مشروع شهادة.

هؤلاء هم الذين نأتمنهم على قضية شعب ومشروع دولة.
هؤلاء هم الذين صقلتهم الصعاب وطهّروا ثورتهم من هواة السلطة وأشباه الرجال.
هؤلاء هم الذين نثق بهم أمناء على مستقبل أطفالنا وأجيالنا.
هؤلاء هم الذين لم يرهبهم هدير الدبابات، ولن تخيفهم القمصان السوداء.
هؤلاء هم الذين أفشلوا الانقلاب المسلّح في 23 كانون الثاني 2007، ولن يرهبهم الانقلاب المقنّع.
هؤلاء هم الذين بتكاتفهم عرفوا كيف يُجبرون الأوصياء على الخروج من لبنان، ويعرفون كيف يروّضون "الأوصياء الجدد" لمنعهم من تغيير وجه لبنان.
هؤلاء هم الذين بادروا بالانفتاح على الآخر واعتماد سياسة اليد الممدودة والتلاقي والتعالي فوق الجراح، إلاّ أنهم واجهوا الطعنات والخديعة والنوايا السوداء التي تمرّس بها "الأوصياء الجدد".
هؤلاء هم الذين حملوا نعوش الشهداء على أكتفاهم، يعرفون كيف يواجهون مَن يسعى لحمل الوطن ملفوفاً بالعلم ومكفّناً بنعشِ شهيد.

ولأن ما بعد 14 شباط 2011 ليس كما قبله، وهنا البيت القصيد، فها أنتم تنتظرون العدالة الآتية من خلف البحار بفارغ الصبر لإحقاق الحق، وهم ينتظرون العقاب الآتي ويخشون العدالة لا بل يخافون الحقيقة لأنها تُعرّي وتفضح المستور وقد تُطيح بكل ما اعتبروه مقدساً وإلهياً.

لذا، فلا تقلقوا يا جمهور "14 آذار"، لا بل هلّلوا وافرحوا فاليوم هو يوم المجد، يوم الثورة على الثورة، يوم ذكرى سقوط القناع عن وجهٍ برتقالي منذ سنوات عدّة وتبعه سقوط قناع آخر عن وجهٍ عُرف بالاستدارة وخوفه على نفسه من السلاح داخل الوطن بدل خوفه من هذا السلاح على الوطن.

فكما في كل ثورات العالم، بعض الثوار يضلّون طريقهم ويسقطون جانباً، إلاّ أن الثورة تتابع طريقها باتجاه واحد هو طريق الواجب والمجد والخلود، طريق الكرامة والعزّة والعنفوان، هذه هي الطريق التي نمشيها معاً ونسلك دربها معاً… حتّى وإن طال الزمن وغلت التضحيات… وإن سقط على الطريق مَن سقط…
نعم، نحن نأبى الموت ونرفض الرضوخ …
فهل ينصاع شريكنا في الوطن وينصت لصوت العقل والمنطق؟
هل يكفّ عن لغة الاستعلاء والاستكبار والتخوين؟
هل يوقف العمل بأسلوب هزِّ الإصبع؟
هل يعترف بوجود شريك في وطنٍ للجميع؟
هل يقتنع بمفهوم الشراكة ويوفّر على الجميع عناء الصعاب والمشقّات وربما الحروب؟
هل يتخلّى عن لغة التهديد والتهويل بسلاح الشوارع؟
أسئلة سهلة إنما الإجابة صعبة لسببٍ بسيط هو أنه لا مَن يسمع ولا مَن يُجيب …
والعبرة تبقى في الأيام القادمة التي سترفع حتماً راية الحياة الكريمة وزهو العيش الحرّ في وطنٍ يأبى الموت ويرفض الرضوخ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل