لا يملك أهل الانقلاب إلا التهويل باستكماله من أجل إكمال مواجهة القوى السيادية والاستقلالية.. لا يملكون إلا الفعل الأول المحرِّك لانقلابهم. فعل الفرض والإكراه وتغييب المنطق الذي حكم قولهم وبيانهم وشعارهم على مدى السنوات الماضيات.
إنه الانقلاب المزدوج. أولاً في وجه شرعية دستورية أتت من خلال الانتخاب الشعبي المباشر وأنتجت أكثرية نيابية تمظهرت في السلطة التنفيذية، فتمت مصادرتها بواسطة بند وحيد، لا ثاني ولا ثالث له، هو القوة المسلحة والبطش العاري المهدِّد لكل السوية الطبيعية للأفراد والجماعات والأقوام والسلطات الموجودة والقائمة، وثانياً في وجه تراث من مطالعات ومطولات الانقلابيين أنفسهم عن المشاركة والديموقراطية التوافقية(!).. وما شابه من نتاج ثقافة كانت ولا تزال بنت لحظتها، وليست بنت مبادئ ومناهج سياسية أصلية وأصيلة!.
ولم يكن سابقاً، ولن يكون راهناً ولا مستقبلاً، مكان لنقاش أو جدال أو محاججة منطقية، بل دائماً كان ذلك السقف مكسوراً ومشلّعاً بحكم الاختلال القائم في الميزان: السلاح في وجه الصوت. والتهديد في وجه الاقناع. وزمّور الخطر في وجه النشيد الوطني. والفأس في وجه القلم. والتهمة في وجه الشعار. والتزوير في وجه الحقيقة.. والعَلَم الأصفر في وجه العَلَم الوطني. والقمصان السوداء في وجه أردية أسياد القانون والدستور والشرعية!.
ولا بأس راهناً، من التصريح قبل التلميح بأن عدة استكمال الانقلاب تتطلب فرض قانون الصمت! تحت طائلة مواجهة الحكي ورفض الإذعان والاستسلام، بالطريقة المألوفة: إشاعة مناخات الرعب والتهديد والإرهاب و"التذكير" بالمرحلة السابقة حيث كان صوت الرصاص والقنابل أقوى من الأصوات الصادحة بالحرية والسيادة، والمصبوبة في صناديق الاقتراع!
لا يفاجئ إسماع أحد ذلك الموّال، فهو الأساس الذي قامت وتقوم عليه كل الثقافة الممانعة في بلدنا منذ أن تأكد أصحابها من أن كل "الوسائل" والطرق الأخرى، السلمية أو المدنية، أو الفكرية، أو كل حراك آتٍ من ممارسة ديموقراطية حتى لو كانت مشوّهة، ان كل ذلك لن يؤدي بهم الى مبتغاهم المزدوج: القبض على السلطة الشرعية ثم محاولة كسر العدالة ومنطقها ومؤسساتها المرتبطة بالشرعية المحلية والدولية سواء بسواء!.
.. لا يفاجئ أحداً ذلك المسار. لكن على أصحابه أن ينتبهوا جيداً الى أصل "القصة اللبنانية" من أولها حيث للمرة الألف بعد الألف، يستحيل هزّ جزء من أسس البنيان من دون المخاطرة بتهبيط كل ذلك البنيان فوق رؤوس كل ساكنيه!
ثم بعد ذلك، فلينتبه أهل الانقلاب الى أن عالم اليوم لا مكان فيه لذلك الأداء القسري وغير الطبيعي، الموجز والسريع.. إسألوا شعوب الدول التي تتغنّون بثوراتها هذه الأيام.. إسألوا الشعب الإيراني!؟