لم يكن أحد ينتظر من قوى 14 آذار قول غير ما قالته في ذكري اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كما لم يكن أحد ينتظر من قوى 8 آذار تعليقاً مختلفاً عما صدر عنها وهذا دليل وضوح ما يحتاجه حاضر لبنان ومستقبله في آن، لاسيما ان الحكومة العتيدة ستبقى مرشحة لأن تشكل حداً فاصلاً بين منحيين سياسيين، يجسد المنحى الأول النظرة الى القرار الاتهامي القريب الصدور عن المحكمة الجنائية الدولية في وقت غير بعيد، فيما يرى المراقبون ان المنحى الثاني سيخضع لمدلول تصرف رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي أزاء المطلوب في مجال تبني المحكمة الدولية وكل ما يصدر عنها… او العكس!
الأهمية الآنية تكمن بالخروج من نفق ما تريده قوى 8 آذار وقوى 14 آذار، حيث يستحيل توقع توافق الجانبين على الحد الأدنى، اعتباراً من المفهوم القائل ان حبل الود قد انقطع ولم يعد بوسع أحد تقديم بدائل ان في الداخل او في الخارج، خصوصاً ان الاتكال على مسعى عربي سقط بلا رجعة بعد صرف النظر عن فكرة «السين – سين» فضلاً عن ان ما كشف عنه الرئيس سعد الحريري في مهرجان البيال من أسرار قد أزال اللبس بين المفهومين، وهذا بدوره مدعاة الى التشاؤم وليس الى التفاؤل؟!
لقد سبق القول ان الرئيس ميقاتي يرفض في المطلق شروط 8 آذار، كونه يعرف أنه لن يكون حر التصرف في سلطته، طالما ان كل جهة من الأكثرية المستجدة لم تعد مقتنعة بأنها جاهزة، بل مؤهلة لأن تلعب دوراً سياسياً عقلانياً. وهي عندما تقول هذا ما أريده وهذا ما لا أرضى به تكون مستعدة للوصول الى مرحلة الطلاق السياسي مع الرئيس المكلف ومع رئيس الجمهورية، كون الاثنين لا يرضيان ولن يرضيا بمن يملي عليهما شروطه مهما اختلفت الاعتبارات.
ثمة ملاحظة يصح التوقف عندها وهي تتعلق مباشرة بالاستعداد المتوفر لدى الرئيس المكلف لرفض التكليف مهما كلفه ذلك، طالما ان البدائل المتاحة أمامه ذات علاقة بكل ما تردد عن ان الرئيس ميقاتي سيشكل حكومة تحمل اسم حزب الله وليس اسمه. وهذا ينطبق بالتالي على الفكرة القائلة ان الحكومة العتيدة ستحل نكهة رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون، إضافة الى الشروط التي يفرضها الثاني تكاد لا تحتمل بقدر ما تشجع على توقع اعتذار ميقاتي (…).
المثير للتساؤل أيضاً، ان بعض خوارج قوى 8 آذار ليسوا في وارد ترك مناسبة تشكيل الحكومة تم من دون ان يتركوا بصمتهم عليها. وهذا ينطبق على كتل لا يتعدى عدد نوابها أصابع اليد الواحدة، فيما تطالب بوزارات من النوع الذي يتجاوز قدراتها السياسية كما تتحدث أوساط مطلعة عن إشارات من وراد الستار السياسي تهدف الى ربط الأمور ببعضها كي يقال لاحقاً أنها وراء التشكيلة الوزارية او وراء الاطالة في عمر التعقيد السائد. وهذا ينطبق تلقائياً على قدرة حزب الله وحليفه ميشال عون على الحركة (…).
من حيث المبدأ، لا يبدو الرئيس ميقاتي طري العود السياسي ليتنازل لغيره عن تسمية الوزراء. وهذا يبقى مؤشراً إيجابياً في المجال الذي يسمح للرئيس المكلف ان يملي شروطه، او أنه سيضطر الى تشكيل الحكومة التي ترضي اللبنانيين وليس مجرد أشخاص، ممن سبق له ان خبرهم وخبرتهم البلاد في سرائها وضرائها ولم يقدموا أي إنتاج إيجابي:
أما أولئك الذين يتحدثون عن انقلاب السحر على الساحر فليسوا أقلة طالما ان كل شيء مرهون بمدى حرية الحركة لدى قوى 8 آذار، حتى وإن كان المقصود حصول مواجهة سياسية من النوع الكبير، بحسب ما صدر عن مهرجان البيال مطلع الأسبوع الجاري. وهذا ما تلتقي عليه معلومات أوساط قوى 14 آذار حيث الاتفاق قائم بين الأقطاب من غير التوقف عند المشاركة في الحكومة او مقاطعتها، ما يشكل حالياً عقدة العقد ان لم يكن المانع الأساسي لأي حل منطقي!
وبالنسبة الى ما صدر عن حزب الله والحليف العوني، لايزال البعض يعتقد ان محاولة تكبير حجر التوزير لن تجدي يمنع، خصوصاً ان التشابك السياسي ليمنع في المطلق أية رؤية واقعية للأمور الداخلية. وهذا مرتبط بدوره بموقف السلطة وكل سلطة من القرار الظني الدولي، حيث يقال منذ بعض الوقت ان حزب الله وتكتل التغيير والاصلاح عندما نجحا في الانقلاب على الحكومة، لن يكون في وسعهما نقل المعركة الى مجلس النواب، على رغم كل ما يقال عن تطمينات أغدقها الحليف الأساسي الثالث الرئيس نبيه بري الذي تقول مصادر مقربة منه ان «الأرض تهتز لكنها لا تسقط» في إشارة الى تجارب سابقة من نوع طلاق الحروب فضلاً عن خلافات السياسية حفلت بها عقود من الأحداث الأمنية وسياسية التي ضربت لبنان في لحمه وعظمه وسمعته؟؟