كانت مفاجأة خالد كبيرة عندما وصل الى المدخل الخارجي لقاعة "البيال"، الاثنين الفائت، ليجد مئات المواطنين يتدافعون أمام الباب الزجاجي العريض، محاولين الدخول الى القاعة الرسمية للمشاركة في ذكرى 14 شباط. بعضهم يحمل بطاقة دعوة، والبعض الآخر بدون بطاقات ـ كحال خالد ـ فيما كانت القاعة قد امتلأت بالوافدين قبل نصف ساعة من موعد بدء الاحتفال.
لم يجد أعضاء لجنة الاستقبال وسيلة تقنع بعض المحتشدين بالانتقال الى قاعة مقابلة حيث وُضعت شاشة كبيرة تمكنهم من متابعة وقائع الاحتفال، رغم هدوئهم ومحاولاتهم المستمرة لاحتواء ما تحول الى ما يشبه حالة غضب لدى البعض: "نريد الدخول: أنا أتيت من طرابلس.. أنا جئت من البقاع الأوسط اسمحوا لي بالدخول.. ولو بدّي فوت.. بقالي ساعة واقف بعجقة السير تاوصلت. هذا يضرب الباب الزجاجي بيديه.. وذاك يتصل للاستعانة بصديق من "تيار المستقبل".
هرج ومرج دام أكثر ساعة قبل أن يتقدم خالد من الباب ليومئ لأحد مسؤولي "المستقبل" من الجهة المقابلة مناشداً إياه السماح له بالدخول. ولما لم يستجب الأخير ناصحاً إياه بالدخول الى القاعة المقابلة صرخ خالد غاضباً: "أنا جايي من عكار إلي نص نهار عالطريق تاشوف الشيخ سعد (الحريري) قدّامي، ما بدّي شوفو عالشاشة".
ظنّ المنظّمون انه بمجرد السماح لخالد بالدخول الى القاعة سوف تتراجع حدة نبرته، قبل أن يكتشفوا أن خالد ومعه المئات من أمثاله انفجروا غضباً داخل القاعة لدى رؤية "الشيخ سعد" وهو يدخل اليها: "سعد..سعد.. سعد. بالدم بالروح نفديك يا سعد. أبو بهاء.. أبو بهاء.. أبو بهاء". تماماً كما فعلوا عشرات المرات لدى إلقائه كلمته، مذكرين الجميع بجوّ الاحتقان الذي ساد في الشارع في ما سُمّي "يوم الغضب"، اثر تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة.
وتيرة التصفيق لم تتراجع، حتى بلغت ذروتها عندما قال الحريري: "..حتى اليوم ألزمت نفسي بالصمت.. لكني اليوم سأتكلم".. فانفجرت القاعة تصفيقاً حتى قبل أن يعرف المصفقون ماذا سيتكلم، في ما بدا وكأن جمهور سعد الحريري و14 آذار ضاق ذرعاً بالصمت، الذي أصابه بحيرة وإحباط في آن. لم يعد يحتمل تدوير الزوايا، أو التسويات، أو حتى التفاوض.. حتى مع شريك في الوطن. بالنسبة إليه صار الحوار مع الآخر، أو حتى الشراكة مع الآخر، مجرد "تنازل". لم تعُدْ واحدة من القيم الوطنية أو المميزات اللبنانية التي طالما تغنّى بها اللبنانيون على مرّ العقود.
من دون أن يعني ذلك على الإطلاق وجود نعرة مذهبية أو طائفية وراء موقف هذا الجمهور. العكس تماماً، بدليل رد فعله السريع والصادق عقب ذكر الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون عبارة "أنا اللبناني الشيعي الجنوبي"، حيث علا التصفيق في القاعة، تماماً كما حصل إثر استشهاد بيضون بأبرز المرجعيات الشيعية في تاريخ لبنان الحديث، وهم الإمام المغيّب موسى الصدر والمرجع السيد محمد حسين فضل الله والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين. وفي ذلك بروز تقاطعات سياسية واضحة بين موقف هذا الجمهور وخلفياته الفكرية والوطنية، وبين "وطنية" شيعية استشهد بها بيضون، بالاستناد الى نص شيعي، في معرض التأكيد على الهوية الوطنية العربية للشيعة اللبنانيين.
وبذلك عكس "جمهور البيال" من خلال إشاراته هذه وعياً سياسياً راقياً، بعيداً عن أي غريزة طائفية أو مذهبية، بدليل تفاعله الملحوظ مع خطاب بيضون (رغم هدوء نبرته) ليس نكاية بـ"حزب الله" أو "حركة أمل"، أو بوصف الخطيب من الشخصيات المرتدة عليهما، وانما لكونه واحد من المتمسكين بالثوابت الوطنية لأبرز الأئمة الشيعة في لبنان. تماماً كما أن بيضون لم يقدم نفسه أمام هذا الجمهور كما لو أنه يريد كسب ود شريحة من خارج طائفته على حسابها، وإنما شَهَر أمام هذا الجمهور نصاً شيعياً (لبنان أولاً) يتطابق تماماً مع شعار وأدبيات قوى 14 آذار، لا بل سابق لها أيضاً، ليؤكد أن هذا الشعار له جذور في الطائفة الشيعية أيضاً، بما يفتح الباب أمام أفق فكري ـ سياسي جديد بين ثورة الأرز وشريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية.
في المقابل استعاد الدكتور سمير جعجع في خطاب "البيال" كل المكتوم من طموحات ساحة الحرية، وأظهر بكلمات قليلة لا فقط مدى عضوية "القوات اللبنانية" في متن 14 آذار، بل أمانتها لإرث المقاومة اللبنانية ومشروعها التاريخي لتحقيق السيادة والحرية والاستقلال، بوصفه مشروع الشراكة الإسلامية ـ المسيحية التي لا بديل عنها. كما انه راجع التجربة بجرأة رغم تمسكه الدائم بشعارات 14 آذار وعدم حاجته هو بالذات الى مراجعة.
ورغم قوة العنفوان، ورغم كل المبدئية التي تعلو على كل حسابات، جاءت كلمة الرئيس أمين الجميل مفعمة بروح المسؤولية، فلا كان فقط رئيس "حزب الكتائب"، ولا قائداً من قادة 14 آذار، بل كان يتكلم بعقلية من كان ذات يوم رئيساً للجمهورية، يحمل إرث الشعور بالمسؤولية الوطنية والإحساس بواجب التفهم والتمسك بالأمل، حتى في لحظة الغضب التي أظهرتها الكلمات والمناسبة وغلفت فضاء "البيال".
في أي حال، ما جرى في "البيال" لم يكن مجرد مراجعة هي الأولى منذ ست سنوات وحسب، وإنما كانت مراجعة علنية قد تكون الأولى من نوعها منذ عقود من الزمن وربما في كل دول المنطقة. قادة 14 آذار اعترفوا بأخطاء وأجروا مراجعة على الهواء أمام جمهورهم، ووجهوا رسائل وتعهدات، تماماً كما أن الجمهور نفسه وجّه رسائل بدوره الى هؤلاء القادة بمشاعره وتفاعله مع هذه المراجعة. وإن لم تستعد جسدها كاملاً، فقد استعادت 14 آذار روحها.
لكن الأهم يبقى في معنى المراجعة أو مغزاها العميق، والذي يعني عملياً أن 14 آذار مارست النقد الذاتي ليس على جرم ارتكبته أو عمل شائن قامت به، وإنما لحسن النيّة في التحاور مع الشريك في الوطن.
وهذا أمر خطير لا بدّ للشريك أن يقرأه جيداً وأن يدرك مخاطره، فيجري مراجعة ذاتية وأخرى لمراجعة شريكه في الوطن قبل أن يتحول "اللاحوار" الى "قطيعة"، وقبل أن يصير الخصام السياسي "عداوة وجودية" تهدد الكيان والصيغة والهوية الوطنية.
إن ما يسمّى مراجعة قامت بها 14 آذار على الطرف الآخر أن يستشعر ويدرك ان فيها تراجعاً عن "خطيئتها" الأصلية، أي عن سياسة اليد الممدودة السمحة والمتسامحة وعلى الطرف الآخر أن ينتبه ان "المراجعة" قد تعني ذهاب 14 آذار من سياسة "إرضاء" الشركاء، الى سياسة "مصالحة" الذات. بمعنى آخر، على 8 آذار أن تنتبه الى أن ما تظنه مكسباً لها بضمور جمهور 14 آذار، كان سببه بالذات سعي قيادة حركة الاستقلال لصياغة "تفاهم" و"توافق" معها، أي مع الشركاء في الوطن، على حساب قناعات ومبادئ جمهورها بالذات، وبالتالي فإن فشل هذا السعي واضطرار تلك القيادات لترك هذا الرهان، لا يعيدها الى جمهورها فحسب ولا يصالحها مع ذاتها فقط، لكنه سيحول شعب "ثورة الأرز" الى جبهة معارضة متشددة، لا تجد 8 آذار معها سوى أن تشعر بـ"الحنين" لزمن 14 آذار 2005 2010.
في السياق ذاته، يتوجب على 8 آذار أن تضع قلبها على يدها فزعاً، عندما توقن بأن "إرضاء" جمهور 14 آذار من قبل قياداته وأحزابه شرطه "قطع العلاقات الديبلوماسية" مع حزب الله وحلفائه. فهذه إشارات شديدة الخطورة تطال فكرة "الشراكة" الوطنية وقد تطيح بها، فقوى 8 آذار بهذا المعنى عملت طوال السنوات الست الماضية على "تربية" العداوة بينها وبين أكثر من نصف اللبنانيين في حين أن كل مواثيق وسياسات 14 آذار كانت "تحلم" بصياغة توافق وطني ووضع خريطة طريق للعبور الى الدولة الواحدة الجامعة. وإذا كانت النتيجة هي التيئيس المقصود لهؤلاء الحالمين، ودفعهم الى استئناف الثورة مرة جديدة، فإن الجميع يدرك اننا الآن نعيش زمن الثورات الديموقراطية في المجتمعات العربية، وان "التغيير" الجذري هو المطلب الأكثر شعبية، وهو "التسونامي" الذي لا راد له، وان زمن التخويف من الفوضى وفرض الاستقرار على حساب الحرية والعدالة هو زمن ولّى من غير رجعة في كل منطقتنا.
يوم "البيال" المشهود أصاب قادة 14 آذار بالحيرة، فبينما كانت المناسبة منظّمة على أساس انها "مهرجان سياسي" مقتصر على مدعوين محددين، فإذ بها مناسبة "تقتحمها" الجماهير، في رسالة مفادها "عودوا الى الشارع..الآن". وهذا بالضبط ما أعطى الحافز لقادة 14 آذار لا أن يعودوا الى جمهورهم ومواطنيهم عبر ما تضمنته خطبهم، بل ان يتعهدوا بالعودة الى رحاب الساحة ووضوحها بعدما حررتهم 8 آذار من "قيود" التسويات". وربما هنا بالضبط مكمن الخطورة: أن يقتنع جمهور 14 آذار أن التسوية مع "الغطرسة" المدججة بالسلاح ليست سوى وهم وسراب، وان "التعايش" بين الديموقراطية والسلاح محال.