وبعد يسأل السائل: الى اين يريدنا "حزب الله" ان نصل في لبنان؟
سؤال يطرح في ضوء موقف السيد حسن نصرالله بالامس في يوم تكريم قادة الحزب الشهداء في الضاحية الجنوبية – سؤال يحملنا على قول الامور كما هي من دون مواربة ولا قفازات، علنا نتوصل الى افهام هذا الحزب والقيمين عليه والمتحالفين معه مرة جديدة حقيقة ما يطلبه ويفعله وحقيقة ما نريده وما نطالب ونكافح من اجله في ثورة الارز وقوى "14 اذار".
ان اخطر خطاب سياسي يتولاه "حزب الله" منذ ما بعد 2006 والى يومنا هذا هو في اعتماده الدمج بين كيانه السياسي في لبنان وعلى ارض الواقع الاقليمي – وبين حقيقة رسالته التي تتجاوز بكثير مجرد ما يدعيه من مقاومة من اجل لبنان. وللتوضيح ان "حزب الله" لطالما احتكر في كينونته الاعلامية والسياسية وخطابه الشعبوي والتعبوي ضد الاخرين معادلة كونه هو المقاومة في وجه اسرائيل، وان كل من يتوجه الى الحزب بنقض او انتقاد او تشكيك يصور على انه عدو المقاومة لاسرائيل وبالتالي عميل وخائن ومتعامل مع العدو – في وقت لم تنجح قوى ثورة الارز حتى الساعة في اظهار الفرق الكبير بين ما يقوله الحزب وينسبه لنفسه وبين حقيقة ما هو فاعل ومنفذ له.
فالمشكلة منذ 2006 ان "حزب الله" يريد ان يصور للرأي العام العربي والاسلامي ان ثمة من في لبنان يخاصمه دفاعا عن اسرائيل او حماية للكيان الصهيوني – بحيث يستقطب التعاطف الشعبي الى جانبه بمجرد ان يطالبه فريق لبناني باحترام سيادة الدولة وقرار الحرب والسلم فيها وقواعد النظام الديمقراطي البرلماني – في وقت وصل التزوير في الحزب وحلفائه الى حد تصوير حتى المطالبة بالحقيقة والعدالة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وسائر شهداء ثورة الارز الابرار تأمرا على الحزب، وبالتالي في سياق مفهوم الربط – تأمر على المقاومة لاسرائيل.
من هنا نرى ان اولى استراتيجيات التحرك المقبل للمعارضة الجديدة في "14 اذار" تتطلب وضع خطة اعلامية – فكرية – سياسية – ديبلوماسية – لمواجهة هذا الخلط المتمادي وهذا التزوير للحقائق المستمر من جانب الحزب وحلفائه واعلامهم – انطلاقا من الثوابت الاتية:
أ- ان اللبناني الذي يطالب بتنظيم سلاح الحزب وبوضعه تحت امرة الدولة وسيادة القرار الوطني الجامع لا يكون خائنا للمقاومة بل ممارسا لابسط حقوقه في دعم سيادة دولته وسلطتها الشرعية الوحيدة على كامل التراب وحقها في التمتع لوحدها في تقرير الحرب والمقاومة وكيفية تنظيمها.
ب- ان اللبناني الذي يطالب ببسط دولته لسيادتها على كامل التراب وبمنح الدولة اللبنانية الحق الكامل وغير المنقوص بممارسة حقها الشرعي والدستوري في تقرير الحرب والسلم وكيفية مواجهة اي عدوان اسرائيلي على الاراضي اللبنانية – ليس لبنانيا ناقصا او ساقطا او عميلا.
ت- ان اللبناني الذي لا يطالب بحل "حزب الله" ولا بمنعه من مقاومة اسرائيل ولكن يحضه على التنسيق مع الدولة ومن ضمن استراتيجية دفاعية وافق الحزب نفسه على طاولة الحوار الاولى على بحثها ومن ثم تراجع عنها وتشنج حيال جهود ومحاولات جدية لبحثها على طاولة الحوار في جلساتها المتكررة في القصر الجمهوري – تناقش بين اللبنانيين وتبقي للحزب كما لكل الشعب اللبناني الحق في المقاومة ولكن من ضمن منظومة الدولة والجيش والمؤسسات العسكرية والامنية الشرعية وبما لا يقلل او ينقص من حق الدولة وسلطتها السيدة في تقرير ما تراه من مخططات واستراتيجيات مواجهة ومقاومة – لا يجعل هذا اللبناني خائنا للمقاومة ومتخاذلا عن حماية وطنه من اي غزو او احتلال او اعتداء اسرائيلي.
ث- ان اللبناني الذي يريد من "حزب الله" ان ينخرط في مشروع الدولة وان ينخرط في اعترافه مع الاخرين بسمو الدولة على الجميع والمساواة بين جميع اللبنانيين امام الواجبات والااتزامات الوطنية واحترام جميع اللبنانيين لسلطة الدولة على التراب اللبناني كاملا ومساعدة الدولة على النهوض والانطلاق القوي بدعم ومؤازرة جميع ابنائها – لا يكون لبنانيا فئويا ولا لبنانيا تافها ولا لبنانيا تقسيميا …
ج- ان اللبناني الذي اثبت في اكثر من مناسبة، ليس اخرها حرب تموز 2006، تضامنه مع اهله في المناطق المقصوفة والمعتدى عليها ليس لبنانيا رخيصا ولا لبنانيا فاشلا.
نقول هذا الكلام لتذكير السيد حسن وحزبه وحلفائه بأن ليس في لبنان مشروعان: مع اميركا واسرائيل وضد اميركا واسرائيل او ما يتلهون بتسميته "مشروعا اميركيا واسرائيليا " في لبنان – بل حقيقة الصراع ان في لبنان مشروعين: من يريد ان يقوي الدولة اللبنانية المركزية ومن يريد ان يستمر في اضعافها ونحرها ونهشها وتفتيتها : هذه هي الحقيقة وهذا هو الهدف الاول ان تنتطلق منه المعارضة الجديدة (والتي ما زلنا نعتبرها اكثرية شعبية حقيقية رغم عملية السطو البرلماني على ارادة الناخبين والذي نفذ بتزوير ارادته اثر عملية تكليف الرئيس نجيب ميقاتي).
نعم … لا نرى لماذا يحق لكل دول وحكومات العالم بما فيها حكومات دول محور الممانعة في المنطقة اي سوريا وايران – ان يكون لها جيوشا وميليشيات رسمية شرعية تدافع عنها في وجه ما يعتبر اعتداء عدو على البلاد ولا يحق للبنان ان تكون دولته هي المسؤولة الاولى عن امنه وسلامته في وجه اي اعتداء او عدوان – ليسلم امر الدفاع عن لبنان دولة وشعبا ومؤسسات الى ميليشيا – كائنا من كانت هذه الميليشيا – وكائنا من كانوا القيمون عليها؟
لا نفهم بأي منطق يريدون اقناعنا ان لبنان وحده يجب ان يبقى بلد اللادولة…
وبلد اللاحدود…
وبلد اللاسيادة…
وبلد الاستباحة الكاملة للارض والبحر والفضاء…
وبلد اللاقانون واللا مؤسسات…
بلد اللاثقة به من ابنائه…
بلد الاستثناءات في كل شيء حتى في بديهيات البشر والشعوب والنظم…
فاذا كانت المسألة مسألة مقاومة… كلنا مقاوم لاسرائيل عند اي عدوان علينا…
وان كانت المسألة مسألة تسجيل بطولات لندخل التاريخ، فكلنا يدخل التاريخ باستعداده للبطولات في ساحات البطولات لا في الاحياء السكنية الامنة من بيروت والجبال والداخل اللبناني … وفي تصويب البنادق والسلاح على صدور اللبنانيين …
إن كانت المسألة مسألة ارساء ميدان ترجمة او قاعدة امامية لعقيدة دينية، فلبنان ارض التنوع الثقافي والفكري والديني والطائفي ليس المكان الافضل لطغيان نظرة دينية او فكرية او ثقافية على ما عداها من نظريات لان في ذلك زرع بزور حرب اهلية جديدة في المستقبل…
ان كانت المسألة مسألة ان القوي هو الذي يتكلم ويفرض رايه وشروطه على الاخرين، فلبنان العيش المشترك واحترام خصوصيات كل طائفة وجماعة وعائلة روحية وحرية كل فريق ليس الارض الخصبة لنمو مثل هذا الفكر الشمولي… فضلا عن ان التجارب دلت على ان القوي اليوم لن يكون بالتأكيد نفس القوي بعد حين…
من هنا، فاننا نرفض هذا التزوير الفكري والاعلامي والسياسي الذي يمارسه "الحزب" وحلفاؤه في تصوير صراعهم السياسي مع قوى ثورة الارز و"14 اذار" – ونعتبر ان على "الحزب" ان يراجع حساباته جيدا من الان وصاعدا كي لا يتحول وبسرعة ويوما بعد يوم الى اكبر عقبة داخلية تتهدد المعادلة اللبنانية الداخلية وتنذر بسقوط الهيكل على الجميع …
