"فِل، هاجر، هاجر، … ولك هاجر يا"…
عفواً، ولكن هكذا أستيقظ كل يوم منذ ما يقارب تسعة عشر عاماً، اي منذ عام 1992 بعد أن بدأت "نعومة أظافري" كما يقولون تخشن رويداً رويداً، وتعي المكان الذي تعيش فيه وما يحيطه من تراكمات ليست سوى سيئات مع بعض النكهات "التمليحية" الجميلة. ولكن، ومنذ تلك السنوات بقيت واستمريت وكبرت وأطمح إلى أن أشيب واغرس في ارض الوطن، على الرغم من هذه الاحلام والكوابيس التي تراودني كل يوم، إلا في الليالي التي تسبقها أيام نلمس خلالها روح المسؤولية والطموح في التقدم والتغيير لدى فئة من الشعب اللبناني.
عفواً، ولكن من منكم بلا كوابيس فليرجمني بحلم جميل!
طبعاً لا، فمن منكم، ومنذ العام 1982 بلا كوابيس، هو "حزب الله" الطامح الهادف أيضاً رويداً رويداً إلى تغيير هذا الوطن ومكوناته. فهو من يجعل من ليالي اللبنانيين كوابيس. فلا نريده أن يرشقنا بأحلام، فأحلامه مرفوضة ومبغوضة ولن تتحقق وإن تقدمت بضع خطوات.
انقلاب حزب ولاية الفقيه
"حزب الله" يريد تغيير صورة لبنان، لا بل لبنان. القاصي والداني يعلم، وإن لم يعترف علنية لتفادي خسائر انتخابية نتيجة تحالفه، ان "حزب الله" يمشي ويسير وفقاً لقواعد الولي الفقيه الذي لا تعمل توصياته وفقهه وفتاويه الا على أرض قاطنوها من لون واحد، ولم يعد الامر كذباً ونفاقاً سياسياً من أجل مكاسب، بل ها هو وفي أكثر من مناسبة سيد المقاومة الاسلامية في لبنان حسن نصرالله يعترف وأعوانه بانتمائهم الى حزب ولاية الفقيه.
في الاسابيع الاخيرة الماضية، لكي لا نعود الى سنوات ما بعد "نعومة أظافري" الآنفة الذكر، حيث اتضح أن كل ما يحصد الآن أو غداً، هو زرع قديم وقديم جداً وجهد متقن، كشهود الزور الذين ادعوا انهم لُقّنوا باحتراف، في تلك الاسابيع قام "حزب الله" بانقلاب ممنهج على الميثاق الوطني.
اخترع ملف "شهود الزور" لغاية في نفس يعقوب ـ وهي ضرب مصداقية التحقيق الدولي وبالتالي القرار الظني ـ ، عطّل اجتماعات مجلس الوزراء وأكثر من 300 بند متعلق بحياة المواطن، اشترط وبعد تعطيل عمل المؤسسات الدستورية أن يعقد مجلس الوزراء اجتماعاً واحداً على جدول اعماله بند واحد على أن تكون نتيجة التصويت محسومة لمصلحة نظرته في البند "وإلا"، نفذ الـ"وإلا" وأجبر العدد المطلوب من الوزراء على الاستقالة فباتت الحكومة حكماً مستقيلة، اتضح له أن كتلة النائب جنبلاط لن تنفعه في عدم تسمية الرئيس سعد الحريري في المشاورات النيابية فأجّل المشاورات بالضغط على رئيس الجمهورية موهماً إياه أنه ينتظر المبادرات العربية التي عطّلها وسوريا، أنزل وحدات "البروفة" وألغى الجان التنسيقية المشتركة لتغيير قناعة النائب جنبلاط مظهراً له ان الضغوط والاستهدافات التي تعرّض لها الشهيد رفيق الحريري قبل اغتياله ممكن أن تكون في مرماه هذه المرة "وفهمكم كفاية"، أطلق أبواقاً هجومية استعملت وسائل التزوير والنهب والسرقة والدمار الاقتصادي في وجه الحريري في حين أن المعركة في مكان آخر، راوغ بمرشح قال عنه نصرالله إنه "توفّى" في حين أكد "المرشح المرحوم" أنه حيٌّ يرزق "وفهمكم كفاية"، استدعى مرشحاً آخر هو صوت إضافي مضمون لعدم عودة سعد الحريري رئيساً … والانقلاب ما زال في بدايته.
الاعتذار المطلوب
غضب المواطن الحر من هذا الانقلاب، فنزل الى الشارع بعفوية، طبعاً ليست كعفوية النائب نبيل نقولا الذي نصّب نفسه من خلالها محامياً عن "البروفة" المعترف بها وبما كان سيتبعها من سيناريوهات ومن قبل "الموكّل" ذاته. ولكن، وكما يقول علم الاجتماع السياسي "تصرف الفرد ينتفي لمصلحة تحرك المجموعة عند المصائب"، فحصل ما استدعى وبكل صدق اعتذاراً واستنكاراً ورفضاً علنياً مكرراً.
فهل اعتذر "حزب الله" عن حرب تموز التي دمّرت وقتلت وشرّدت وهجّرت وأعادت لبنان الى الوراء اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً؟ وهل اعتذر عن إقفال وسط بيروت أكثر من سنة وتكبيد خزائن الدولة مليارات من الدولارات ديناً؟ ماذا عن اقتحام مقاهٍ ليلية في وسط بيروت بحجة بيع الخمور المحرمة في دولة الفقيه، فهل اعتذر؟ وهل اعتذر عن 7 أيار "من سلاح في وجه العدو الى تغيير وجهة هذا العدو"؟ وهل اعتذر عن اقتحام وحرق ونهب مبنيي تلفزيون "المستقبل الاسرائيلي"؟ ماذا عن محاولته استغباء بعض المسيحيين في أنهم وافقوا على تنصيبه قديساً جديداً على مذابحهم بوقوف "جوقة مزيفة" في كنيسة عظمت خلالها "القديس" حسن نصرالله وإصدار مسابح دينية تحمل صورته الى جانب أمّنا مريم، فهل اعتذر "قديسهم"؟ وهل اعتذر حين اقتحم مطار بيروت الدولي لحماية جميل السيد؟ وهل اعتذر من أهالي منطقة دير الاحمر على اختياره لهم، ومن دون إذن ولا رحمة، نائباً لا يمتّ لهم ولو بصلة رحم؟ وهل اعتذر عن تلفيق رسائل حضارية للقيّمين على مدرسة الحكمة بانت في ما بعد أنها احتفال ديني لا يمتّ إلى الحكمة بصلة؟ وهل اعتذر واعتذر واعتذر؟….
لكل شيء حدود إلا…
ان استغباء المواطن بات خبز "حزب الله" اليومي، وعهره وفجوره وحروبه وانقلاباته ومآربه غير الميثاقية …. أيضاً باتت خبزه اليومي. ولكن لكل ذلك حدود، فللعهر حدود ولاستغباء المواطن حدود وللفجور وللحروب و …. حدود طالما أن هناك أحراراً في هذا الوطن.
أما الذي ليس له حدود، فهو الكرامة. كرامة لبنان واللبنانيين ليس لها حدود. فلا تظن يا أبا الانقلابات الموقتة والاهداف المبطّنة أنك ستستطيع تطويع اللبنانيين، بل لنقُل الاحرار منهم، فلهؤلاء حدود ولكن كرامتهم لا حدود لها. وما الكوابيس سوى مرحلة ليلية وتمرّ ولن تكون إلا كذلك.