لاحظت مصادر قيادية في الأكثرية الجديدة في لبنان حجم الأضرار السياسية التي لحقت بها جراء القنبلة التي فجرها رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون في وجه حلفائه قبل خصومه وتطايرت شظاها باتجاه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة نجيب ميقاتي، خصوصاً أنه نصّب نفسه آمراً ناهياً في عملية التأليف وبرنامج الحكومة العتيدة وجدول أعمالها وبيانها الوزاري، ويحدد الأحجام فيها انطلاقاً من إصراره على أن يكون له حق "الفيتو" من خلال تمسكه بأكثرية الثلث الضامن في التركيبة الوزارية.
ومع أن عون أخذ في طريقه، في حديثه الذي بثته ليل الاربعاء محطة "أو – تي – في" ، كلاً من رئيس الجمهورية برفضه القاطع إعطاءه حصة في الحكومة الجديدة بذريعة أنه أخل بشروط انتخابه رئيساً، والرئيس المكلف الذي يجب أن لا يتمثل في الحكومة بأكبر من حجمه السياسي، فإن مصادر سياسية مواكبة لما آلت إليه المشاورات المفتوحة في شأن التأليف ما زالت عند تفاؤلها باقتراب موعد ولادتها، وربما قبل سفر سليمان الى الفاتيكان في 22 الجاري، وإن كانت تعترف بأن المواقف "النارية" لعون يمكن أن تعيق لبعض الوقت تظهيرها الى العلن.
وقالت المصادر ان مواقف عون من رئيس الجمهورية لقيت لدى الأخير استياء شديدا، وأنه يرفض التمادي في الهجوم عليه ويتمسك بصلاحياته كاملة. وقالت ان إقصاء رئيس الجمهورية عن التمثيل في الحكومة يلقى اعتراضاً من الرئيس المكلّف ومن قوى رئيسية في الأكثرية الجديدة التي أخذت تتململ من تصرفات عون وإن كانت تتجنب الدخول معه في اشتباك سياسي.
ولفتت المصادر الى أن عون أخطأ في هجومه على سليمان وميقاتي وأنه كان في الموقع الأقوى لو حصر مواقفه في التركيبة الوزارية لجهة تحديد عدد الوزراء المرشحين لتمثيله في الوزارة، متسائلة عن جدوى توجيهه رسالة الى الحلفاء قبل الخصوم بأنه هو الذي يشكل الحكومة ويختار الوزراء.
واعتبرت المصادر أن عون أبرع من الآخرين في زيادة عدد خصومه حتى في داخل الفريق السياسي الذي ستتشكل منه الحكومة. وهو تصرف معهم على قاعدة "أنا أو لا أحد" وقام أيضاً بالتشويش على جهود ميقاتي لتذليل العقبات التي ما زالت تؤخر ولادة الحكومة وراح يقلل من دوره بغية إضعافه في الشارع السنّي وهو يلتقي في ذلك مع خصوم الرئيس المكلّف في هذا الشارع.
واعترفت بأن عون أحدث أزمة ثقة في علاقته مع ميقاتي الذي لن يسلّم له بشروطه ولن يقف مكتوف اليدين في وجه محاولة مصادرة صلاحياته في تشكيل الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية.
أما في المقلب الآخر، أي "حزب الله" الحليف الأول للعماد عون، فإن المصادر تستبعد أن تكون لمواقف "الجنرال" الأخيرة علاقة بلعبة توزيع الأدوار بينهما، وإن كان الحزب يستفيد منها لتحسين شروطه، على رغم أن انسجامهما في الموقف من المحكمة الدولية والسلاح غير الشرعي لا يترك مساحة للتشويش.
وأوضحت المصادر أنه إذا كان "حزب الله" فوجئ بالسقف العالي الذي رسمه عون لنفسه لقاء مشاركته في الحكومة، فإن قيادة حركة "أمل" لم تكن مرتاحة الى شروطه، وإن كانت تفضل عدم البوح في العلن بما لديها من ملاحظات تترك التعبير عنها للمفاوضات الدائرة حالياً في الغرف المغلقة. وقالت إن الحزب يسعى الى تليين مواقف الأخير باتجاه الوصول الى تسوية من شأنها أن تطلق يد الرئيس المكلف في تشكيل الحكومة.
ولفتت الى عدم صحة ما يتردد من حين الى آخر بأن لتصعيد عون علاقة بالإشارات المتناقضة التي أطلقتها القيادة السورية بخصوص تأليف الحكومة. لكن هذه المصادر لم تجد ما تقوله لدى سؤالها عن تصعيد عون وهو يعلم بأن القيادة السورية مع الإسراع في ولادتها، لا سيما أنه رفع سقفه السياسي عالياً من دون أن يحفظ لنفسه خط الرجعة.
إلا أن مواقف عون التي أعاقت تشكيل الحكومة لم تطح كلياً الآمال المعقودة على تشكيلها في الأيام المقبلة، وهذا ما عكسته الخميس مصادر ميقاتي بقولها إن الحكومة العتيدة لن تبصر النور نهاية الأسبوع كما أشيع، مؤكدة أنه سيأخذ الوقت الكافي للخروج بتشكيلته الحكومية وهو يتابع اتصالاته بكل الأطراف بمن فيهم قوى 14 آذار التي لم تقل بعد كلمتها النهائية بعدم المشاركة.
لكن مصادر أخرى قالت إن بعض الأطراف في الأكثرية الجديدة أخذوا يتململون من تمادي عون في استحضار العقدة تلو الأخرى على رغم أنه يعرف أن أحداً ليس في وارد التسليم بشروطه والتعامل معه على أنه الممثل الوحيد للمسيحيين.