#dfp #adsense

عن “العودة إلى الجذور” !

حجم الخط

عندما تحدث الرئيس سعد الحريري في احتفال "البيال" عن "العودة الى الجذور"، كان واضحا تماما في اذهان الذين استمعوا اليه وقرأوه في اليوم الثاني، انه يقصد العودة الى الروح الوطنية الجامعة، التي اطلقت نسبيا (قياسا بعدد السكان في لبنان) اكبر تظاهرة في تاريخ الشعوب.

ذلك عندما خرج اكثر من مليون لبناني في 14 آذار من عام 2005 الى "ساحة الحرية"، في وسط بيروت، مطالبين بالسيادة والاستقلال الحقيقي وبالحرية والانعتاق وبالحق الفعلي في تقرير المصير وتقرير المواقف وتحديد الخيارات التي تخدم لبنان ومشروع الدولة فيه.

لماذا كان الحديث عن "العودة الى الجذور"؟
ربما لان تجربة الذهاب الى "الفروع"، اي الى السلطة وما فرضته وأملته على الحريري وعلى حركة 14 آذار من المواقف والتنازلات والمهادنات والدخول في تسويات على قاعدة يد "ام الصبي" الممدودة دائما والتي قوبلت دائما بالصد والهجوم وباستمرار سياسات التعطيل وفرض الشروط بالاكراه والقضم من دور الدولة وهيبة السلطة وحرمة الدستور واحترام القانون… هذه التجربة انتهت بما سماه الحريري في خطابه "الاكثرية المخطوفة بترهيب السلاح والسلطة المسروقة من ارادة الناخبين"، بعدما انقلبت الاكثرية النيابية اقلية نسبية تحت وسائل الضغط والاكراه التي طالما شكت منها حركة 14 آذار، التي تكرر الآن، ان "ترهيب السلاح" هو الذي ادى عمليا الى ما تسميه الانقلاب على الاكثرية الشعبية، التي قررتها صناديق الاقتراع كما هو معروف.

***
والذين لاحظوا الحريري يكرر كلمة "العودة الى الجذور" مرارا بكثير من الارتياح او كمن يتنفس الصعداء اخيرا، تذكروا ان الرجل كان يعاني فعلا في خلال توليه رئاسة الحكومة بسبب ما يمليه عليه المنصب ضيقا في الصمت ومرارة في الابتلاع وحتى اختناقا بطائلة المسؤولية الدستورية واحترام فروض الدور الوطني. ولهذا فان "العودة الى الجذور" بالنسبة اليه هي عودة لا الى المعارضة فحسب، كما اعلن، مع اهمية المعارضة ودورها الحاسم وسط الواقع الراهن، بل هي عودة الى محاولة بناء الحلم الذي اطلقه الشعب اللبناني وقواه المدنية قبل الحزبية في 14 آذار 2005، الحلم بوطن سيد، حر، مستقل وبهوية يفاخر بها المواطن اللبناني وبدولة تحترم قيم التعددية وغناها وفرادتها في هذا البلد، وتصنع للناس حاضرا آمنا مزدهرا ومستقرا، ومستقبلا طموحا يليق بشباب لبنان ويوازي احلامه في العمل والانتاج والتفوق والنمو والازدهار ليكون قدوة هذه المنطقة برمتها.

طبعا انها احلام اللبنانيين جميعا من الناقورة الى النهر الكبير من دون استثناء وهي احلام شباب 8 آذار ايضا، التي تحلق دائما في فضاء هذه المطالب والطموحات. وهي مثل كل الاحلام لا تموت ولا تذوي.

والحديث عن "العودة الى الجذور" انما يقصد به الحريري اعادة بناء روح منظومة القيم والطموحات التي يريدها هؤلاء الشباب بعيدا عن الحزبيات والصراعات السياسية وعن الآليات المضحكة – المبكية لممارسة العمل السياسي، والقيام بالتمثيل العام "التهريجي" الذي نلاحظه الآن في التناتش الفظ والنهم الذي لا يصدق في عملية تأليف الحكومة العتيدة.

بدا سعد الحريري صادقا في شكر الذين اعطوه "فرصة" العودة الى الجذور، اي الى المعارضة، وقد حدد لها ثلاثة مبادئ هي:
"التزام الدستور واحترام قواعده وحماية الحياة العامة والخاصة من غلبة السلاح والتزام المحكمة الدولية".

***
في المقابل يقول اركان 14 آذار الذين استمعوا اول من امس الى كلام السيد حسن نصر الله الامين العام لـ"حزب الله" يعلق بلهجة من التهكّم الممزوج بالاتهام، على كلمة الحريري عن "العودة الى الجذور"، انه لم يكن عليه سوق كل هذه الاتهامات التي يكررها دائما عندما قال: "يجب ان نعود الى الجذور لنكشف من رهن مصير لبنان بمصير السياسات الاميركية في المنطقة. وان اكبر الاخطاء الاستقواء بمجلس الامن والغرب والاتحاد الاوروبي…".

ويضيف هؤلاء، ربما على نصر الله و"حزب الله" العودة الى الجذور قبل اي فريق في لبنان، على الاقل لكي يستقيم الحديث عن المقاومة ودورها في مواجهة العدو الاسرائيلي وتهديداته الدائمة التي طالما نبه اليها نصر الله كما كان الحال في الماضي.

وعلى هذه القاعدة بالتحديد يرى هؤلاء ان "العودة الى الجذور" بالنسبة الى "حزب الله" هي مسألة ضرورية وملحة لمصلحة المقاومة ودورها المعلن، وهو دور واقع الآن في التباس متزايد وخصوصا بالنسبة الى موضوع السلاح، الذي يكرر اهل 14 آذار "ان اللبنانيين والعالم باتوا شهودا على ان هذا السلاح استُعمل ويستعمل في الداخل قبل اجتماع الدوحة وبعده برغم كل ما قيل عن الالتزامات".

ويرى هؤلاء ان المقاومة كما يكرر "حزب الله" هي بالطبع ضد العدو الاسرائيلي، لكنها لم تعد تتوانى عن توجيه سلاحها الى الداخل لفرض اجندتها السياسية، سواء في تعطيل عمل الحكومات او حتى في تشكيلها، وفرض اجندتها السياسية. والدليل الاخير مثلا، ان السيد حسن نصر الله، كان واضحا عندما قرر موقف "حزب الله" حيال تكليف الرئيس كرامي او الرئيس نجيب ميقاتي، وهذا امر يتنافى كليا مع وظيفة السلاح المقاوم في وجه اسرائيل، وقد تحول لفرض اجندة داخلية مرتبطة بتحالف اقليمي، ولبنان في غنى عن السير في ركاب اميركا والغرب وكذلك في ركاب ايران ومعركتها المفتوحة مع هذا الغرب.

ويقول اهل 14 آذار ان العودة الى الجذور بالنسبة الى "حزب الله" والمقاومة، هي المدخل الوحيد لوقف تداعي الاجماع اللبناني الذي سبق ان احتضن هذا السلاح المقاوم في وقت من الاوقات، وخصوصا مثلا عندما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري في السلطة، يقرع ابواب العالم ليوقف "حرب عناقيد الغضب" على لبنان ويشارك في صنع "تفاهم نيسان" الذي اعطى المقاومة وسلاحها شرعية قبلتها اميركا والغرب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل