#dfp #adsense

الدستور ثم الدستور ثم الدستور

حجم الخط

15 شباط يوم جديد في 14 آذار
الدستور ثم الدستور ثم الدستور

 
ليست مصادفة ألا يخلو أي خطاب للرئيس سعد الحريري من تأكيد الإلتزام بالدستور – "دستور الطائف" – في وقت لا ينفك فريق "الحزب الحاكم" منذ سنوات، يسعى بشتى الوسائل، وأبرزها السلاح غير الشرعي، إلى "الإنقلاب" على "الطائف" ميثاقاً ودستوراً، لتغيير النظام اللبناني من "ديموقراطي" إلى "ديكتاتوري"، على شاكلة الأنظمة التي يدين لها بالولاء والتبعية.

اليوم، بات هذا الحزب أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق ما يريد، بعد أن أنجز، بقوة سلاحه، إنقلاباً موصوفاً مغلّفاً بصيغة دستورية، أدى بنتيجته إلى الإتيان بنجيب ميقاتي رئيساً لحكومة يجري تشكيلها من "لون واحد" بعكس كل أطروحات الشراكة الوطنية التي كان يُتحف اللبنانيين بها، بحيث أصبح واضحاً، أن الأزمة لم تكن ازمة محكمة دولية وقرار اتهامي، بل كانت في حقيقتها "ازمة حكم" افتعلها "الحزب الحاكم" باسم المحكمة لوضع يده على السلطة، ولتغيير وجه لبنان نظاماً وهوية.

ما سبق ذكره يقود إلى استنتاج لا مفر منه، أن "دستور الطائف" في خطر، بمجرد أن أختل التوازن السياسي في البلاد لمصلحة الفريق الذي يملك السلاح، وبات من خلاله أكثرية نيابية بعد أن كان قبل شهر أقلية. قد يسأل البعض لماذا؟ والجواب ليس صعباً، ويمكن استخلاصه بإنعاش ذاكرة اللبنانيين إزاء ممارسات فريق "الحزب الحاكم" منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، والتي كان عنوانها – "من دون طول سيرة" – إنقلابياً (نسف تسوية الدوحة) وتعطيلياً (الثلث المعطل إقفال مجلس النواب) وعنفياً ( أحداث 7 أيار المعاطف السود). وذلك حين كان هذا الفريق أقلية، فكيف هي الحال مع إمتلاكه للأكثرية اليوم؟ وهل يمكن أن يؤتمن على الحياة السياسية من كان يغتالها، وعلى الدستور من يمارسه انتقائياً، وعلى النظام الديموقراطي من يعمل منذ زمن على تقويضه؟

العارفون بحال الأمور لا يترددون في الإجابة: "بالطبع لا"، فهم الأخبر، بأن "دستور الطائف" إذا ما اغتيل يعني دخول لبنان في نفق مظلم، فهذا الدستور هو ضمانة كل اللبنانيين باستمرار العمل بنظامهم الديموقراطي البرلماني، فقد حقق التوازن بين السلطات، ونقل السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا كي يشارك الجميع في اتخاذ القرارات، ونصَّ على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب وفي تشكيل الحكومة وفي تعيين موظفي الفئة الاولى مهما تبدل الوضع الديموغرافي، وجعل نصاب جلسة مجلس الوزراء يتم بحضور ثلثي عدد الوزراء الذين تتألف منهم الحكومة، بحيث لا يتم اقرار المواضيع الاساسية، المحددة في الدستور بـ14 موضوعاً، الا بموافقة ثلثي عدد الوزراء عندما يتعذر التوافق عليها (…).

ولكن فريق "الحزب الحاكم" لم يجد نفسه معنياً بـ"دستور الطائف"، ولم يحتكم إليه يوماً، بل كان يطبقه انتقائياً، ويسعى بتواطؤ مع حليفه المسيحي النائب ميشال عون إلى إستبدال "المناصفة" بين المسلمين والمسيحيين بـ"المثالثة"، ويعمل لتكريس أعراف جديدة من خارج الدستور، بدأها في "تسوية الدوحة" التي نعاها مؤخراً، من خلال ابتداع نظرية "الديموقراطية التوافقية" بحيث لا تتم الموافقة على اي موضوع اساسي ومهم الا بالتوافق وليس بأصوات الاكثرية مهما بلغت، وفي حال عدم التوافق تبقى المواضيع، وان مهمة وملحة، معلقة وتكون النتيجة شللاً في مؤسسات الدولة. أما اذا حسمت هذه المواضيع بتصويت غالبية الثلثين عملاً بالنظام الديموقراطي العددي، وتطبيقاً للدستور، فان الاستقرار والعيش المشترك والوحدة الداخلية تصبح في خطر.

أي أن "الحزب الحاكم" ومن يدور في فلكه، استطاع تعطيل العمل بالنظام الديموقراطي الذي تحكم الاكثرية بموجبه والاقلية تعارض، واوجد هذا التحالف نظاماً جديداً غير مكتوب عرف بـ"التوافق". فإذا كان هذا الفريق لم يحتكم إلى "دستور الطائف" طوال السنوات الماضية، فهل يحتكم إليه اليوم، أم يُحكم عليه بالإعدام كما أعدم "تسوية الدوحة" التي تعهد من خلالها بعدم إسقاط حكومة الوحدة الوطنية وعدم استخدام السلاح في الداخل لفرض معادلات سياسية؟ بمعنى، من يضمن أن لا ينقلب هذا الفريق على "دستور الطائف"، وهو "صاحب سوابق" في الانقلاب على المواثيق والاتفاقات، وفي عدم الإلتزام بالدستور لانتظام الحياة السياسية؟

وأكثر من ذلك، كيف يطبق هذا الحزب "دستور الطائف" الذي يمنع قيام جيش خارج سلطة الدولة، فيما دويلته وجيشه قائمان شاء من شاء وأبى من أبى، على أساس "أن اليد التي تمتد لسلاحنا سنقطعها؟.

سبق للرئيس سعد الحريري أن وضع الإصبع على الجرح، في أيلول من العام 2009، بعد تكليفه للمرة الثانية تشكيل الحكومة بعد اعتذاره عن التكليف الأول، بقوله "إن التزام الدستور يؤدي الى الاستقرار والخروج عنه يدخلنا في المجهول. فلا بدَّ من الدفاع عن الدستور وعن مشروع الدولة وعن دستور الطائف الذي يجب ان نحتكم اليه"، في موقف يُكمل ما كان قاله في آذار من العام نفسه، قبل الانتخابات النيابية "إن الخلاف الوحيد مع الفريق الآخر هو أننا نريد أن يكون الدستور هو الوسيلة الوحيدة للحكم"، مضيفاً: "إذا خسرت في الانتخابات سأكون فعلاً في المعارضة، ولا أريد من موقع الأقلية التي أعطيت في الدوحة حقاً غير دستوري، في ممارسة الحكم والاستمرار في هذا النهج".

لكن الرئيس الحريري لم يخسر الانتخابات، بل انتصر مع حلفائه في "14 آذار"، وجدد الأكثرية النيابية، لكنه لم يحتكرها للإستئثار في الحكم، بل انتهج سياسة اليد الممدودة التي قوبلت من فريق "الحزب الحاكم" بيد تريد قطعها، على الرغم من نجاحه في نهاية المطاف بتشكيل حكومة سُمّيت بـ"الوحدة الوطنية"، لكنها كانت حكومة "تكاذب وطني"، عنوانها "التعطيل" وضرب ما تبقى من قيمة لـ"دستور الطائف"، إلى أن تم إسقاطها، بخلاف ما كانت تنص "تسوية الدوحة"، باستقالة جماعية لوزراء فريق "الحزب الحاكم"، تمهيداً للانقضاض على الحكم، بإقصاء سعد الحريري عنه، لا لأنه أخطأ في الحكم، بل لأنه قاوم بكل ما يملك من صلاحيات دستورية كل محاولاتهم لنسف الدستور، إلى أن وضعوا سلاحهم من جديد في الشارع، من أجل تغيير المعادلة، تماماً كما فعلوا في 7 أيار 2008، فكان لهم ما أرادوا بخضوع البعض لـ"مشيئة السلاح"، ما جعل الأكثرية النيابية إلى جانبهم.

وعلى الرغم من كل ذلك، سواء أكان الرئيس الحريري في الحكم أو لم يكن، سيبقى مقاوماً مع حلفائه في "14 آذار" لأي محاولة للانقضاض على "دستور الطائف"، فهو أعلن قبل أيام في ذكرى استشهاد والده، أنه يستند في معارضته أولاً إلى "إلتزام الدستور"، بما ينسجم مع ما قاله والده الرئيس الشهيد قبل اغتياله لـ"السفير": "أنا معارض لكن لي معارضتي وسقفها إتفاق الطائف".

ولم يقف الحريري عند حد إعلانه الإلتزام بالدستور، بل شرح معنى ذلك، بالقول: "ان مشروعنا كان وما زال وسيبقى، هو الدولة، هو الدستور، هو المؤسسات. هو الحفاظ على لبنان العروبة والسيادة والاستقلال والنظام الديمقراطي. لبنان الحريات الشخصية والسياسية والإعلامية والدينية والثقافية والاقتصادية. حتى عندما وافقنا في البيان الوزاري على معادلة الشعب والجيش والمقاومة، فلأننا نعتقد أن الدولة هي الحاضن للجميع والجيش مشكَّل من كل أطياف الشعب وفئاته، والمقاومة هي للدفاع عن الوطن في وجه إسرائيل. مقاومة في خدمة الجيش والشعب، وفي خدمة لبنان، وليس لبنان خاضعاً بجيشه وشعبه ودستوره ودولته للسلاح، بحجة المقاومة".

إذاً، العلة في النفوس وليست في النصوص، ولا سيما في الممارسة السيئة للحكم، وفي ضعف الشعور بالمواطنية لمصلحة الشعور بالاستقواء بالسلاح على الوطن وشعبه، فلبنان لا يمكن أن يبقى محكوماً بتسويات موقتة تُفرض بقوة السلاح او بالاعراف التي لا تضمن استمرار العيش المشترك ولا تحصن الوحدة الداخلية، فكما بات واضحاً أن فريق "الحزب الحاكم" يبحث منذ زمن عن سبل إقامة "الجمهورية الثالثة" بنظام جديد "ديكتاتوري" بديل من النظام الديموقراطي وعلى دستور جديد غير "دستور الطائف".

وربّ سائل في سياق الحديث عن "الجمهورية الثالثة"، "جمهورية الحزب الحاكم": ما المانع بعد أن نسف هذا الفريق "تسوية الدوحة"، وباتت رئاسة الحكومة في قبضته إلى جانب رئاسة مجلس النواب، أن يبادر إلى وضع اليد على رئاسة الجمهورية، بحيث تصبح كل السلطات بين يديه؟. وإلا ما معنى كل هذا "الهجوم العوني" على رئيس الجمهورية ميشال سليمان؟ ألا يفهم من ذلك أن ميشال عون، وبإسناد من "حزب الله"، لم ينفك يعمل منذ الانتخابات النيابية لتغيير الرئيس سليمان بتقصير ولايته؟

إذاً، المخطط الانقلابي بات على "عينك يا تاجر"، وكما يقول أحد المحللين السياسيين: "ما يضمره هذا الفريق خطيرٌ للغاية. ذلك أنه يعلن نفسه إنقلابياً سواء كان في موقع الأكثرية النيابية أو في موقع الأقلية النيابية. وعندما يكون فريقٌ ما إنقلابياً في جميع الحالات، فمعنى ذلك أنه لا ينسجمُ مع أي ميثاق ولا مع أي دستور. باختصار إنه مشروع سلطوي، مشروع إستيلاء دائم على السلطة".

وهذا بالضبط ما ينبغي التحذير منه، وهذا بالضبط ما يشدد عليه الرئيس سعد الحريري و"14 آذار" بضرورة الإلتزام بالدستور وحماية "دستور الطائف". وهنا لا بد من وعي دقة المرحلة، وخطورة إطاحة "المناصفة" لحساب "المثالثة"، وبـ"الديموقراطية" لحساب "الديكتاتورية"، حيث يصبح لبنان على شاكلة سوريا وإيران. فهل يرضى اللبنانيون بهذا الواقع؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل