في حال سلم الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي جدلاً بأنه مطلق الصلاحية بالنسبة الى المهمة الموكلة إليه، فإن غيره لن يكون في وارد تقبل حرية التكليف بعدما رهن أموره بشروط مسبقة وهذا ما لا يسأل عنه الرئيس ميقاتي طال زمن التكليف أم قصر. فضلاً عن ان العين الخارجية باتجاه الوضع اللبناني العام قيد المراقبة، إضافة الى أية دولة قد يهمها الرأي العام العالمي ازاء تصرفها منحصرة بموقف الجمهورية الاسلامية في إيران حيث أمورها مرتبطة بملفات حساسة مثل الملف النووي وموقف أميركا المعترض على تصرفات الثورة في الخليج وفي غير مكان من العالم!
أما الأساس الآخر الذي يعول عليه المجتمع الدولي، فهو «تصرف لبنان في المرحلة المقبلة» بالنسبة الى قرار المحكمة الجنائية الدولية مهما كانت وجهة نظر حزب الله وقوى 8 آذار حيث لا يعقل ان تبقى الأمور معلقة بين مزاجية حزب الله وأي طرف لبناني آخر، الأمر الذي يعني ان آخر اهتمامات مجلس الأمن الدولي الوقوف عند رأي أي طرف مخالف للنظرة القانونية الخاضعة لما يتجاوز رأي الحزب جحافل القوى المعترضة من خوارج معارضة الأمس!
وفي رأي أوساط مطلعة ان خوف بعض الدول الاقليمية على أوضاعها الداخلية وعلى مصيرها أيضاً، من الأمور التي تساعد لبنان على تخطي صعوباتها بحسب إجماع المراقبين، على رغم كثافة التساؤل من جانب من لايزال يتصور ان بوسعه تخطي المعوقات الدولية من خلال تكويعات آتية.
وفي عودة الى موضوع الحكومة، بدا واضحاً ان من يتحدث عن اقتراب مخاض التشكيل لا يفهم ما يعترض المهمة من عقبات، ليس لأن قوى 14 آذار جماعة سلاح وزعران، بل لأن قدراتها الذاتية النيابية والسياسية مؤهلة لأن تؤمن لها التصدي لكل ما من شأنه الحاق الأذى بلبنان. والملاحظة الأخرى التي تصب في مصلحة «المعارضة الجديدة» فتتمثل بقدرات وعلاقات خارجية على أعلى المستويات الدولية والاقليمية، حيث يصعب على خصومها ادعاء العكس مهما اختلفت الاعتبارات الداخلية والمناطقية والمذهبية التي تسير بعض الداخل. وهي معروفة المصاريف والتكاليف ومن يتولى تغطيتها حتى آخر فلس!
وتجدر الإشارة هنا الى ان اتكال حزب الله وحلفائه على المعدل النيابي قد يكون فاعلاً. لكن ما تحقق لغير مصلحة قوى 14 آذار يبدو موقتا، حيث ان الاعتبارات التي أملت قرار الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وبعض من معه قد تختلف في معدل قياسي نظراً لما هو معروف عند جنبلاط من تغيرات من الصعب أحد ان يحسب أحد حسابها؟
أما قرار المحكمة الجنائية الدولية فمن آخر اهتمامات المجتمع الدولي نيل الاذن من حزب الله ومن غيره، حيث لا بد من مفاجأة مرتقبة وفي الحجم الكبير الذي يكفل إسقاط الاعتراضات إضافة الى ان الحزب يعتقد ان أي قرار دولي يمكن ان يطاوله سيبقى في سياق رد الفعل بما لا يقدم ولا يؤخر في نظرة قوى 8 آذار الحال السائدة!
وفي اعتقاد مصادر مطلعة ان نظرة حزب الله الى التطورات الداخلية بلغت به حد الاقتناع بأنه حقق ما يهدف اليه من مكاسب سياسية، بعد تكويعة جنبلاط بالاتجاه المعاكس ما يعني أيضاً ان الحزب لن يراهن على تصرفات من النوع الذي سبق له ان هدد باتخاذها، على رغم ما يقال عن ان بعض الجهات في قوى 8 آذار مستمر في رهانه على فوضى سياسية – أمنية، على أمل استباق الأمور في مجال تقديم موعد الانتخابات الرئاسية، والمقصود هنا بالتحديد هو رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون الذي ترى أوساط ان الوقت يعمل لمصلحته، لاسيما بالنسبة الى فكرة وصوله الى قصر بعبدا؟
كذلك، فإن عون عندما يزيد في عملية التوتير، فلأنه متكل على حليفه حزب الله، خصوصاً ان عون قال ويقول إنه سدد حساباته الداخلية والخارجية بما يتناسب مع مصلحة الحزب، وهو عندما يتولى الدفاع عن سلاح المقاومة يتناسى ما فعله في واشنطن في معرض اعداد مشروع القرار 1559 الذي اعتبر أي سلاح في لبنان غير سلاح الشرعية سلاحاً خارجاً على القانون، وعندما يسأل عون عن دوره آنذاك بأنه كان مخدوعاً من الادارة الأميركية ومن الاتحاد الأوروبي اللذين وعداه بثمن مقابل بحجم رئاسة الجمهورية الى ان تبين له أنه مخدوع، او أنه لم يعرف تماماً كيفية تقويم حقيقة الأوضاع في الداخل وفي الخارج!
أما وقد اختلط حابل تطلعات عون الى رئاسة الجمهورية مع حابل بعض المصالح الداخلية، فإن اشكالات الأخير التي توالت جراء انفتاح عون على سوريا وعلى إيران وفي الاتجاه الذي يرضي حليفه حزب الله وبعض خوارج المعارضة السابقة. قد صبت في مصلحته، من دون ان يعني ذلك أنها نتيجة إيجابية غير محسومة ولا هي مقبولة من محيطه اللبناني والمسيحي تحديداً؟
رب قائل في هذا الصدد، ان الرهان على استمرار تماسك حزب الله مع التكتل العوني يبقى مقبولاً في حده الأدنى، في حال اقتنع الحزب بأن عون قدم له مختلف امكاناته وهذا ينطبق على حاجة الحزب الى تحالف عون، على رغم تباين الأهداف والمعطيات فضلاً عن ان الخلاصة السياسية في البلد لم تصل الى حد وصول أي طرف الى غاياته الأساسية!
أما الرهان الذي سبقت الإشارة اليه فهو تصرف «الأكثرية الملتبسة» في حال بقيت الأمور عالقة عند ما يريده الحزب بمعزل عن حلفائه، حيث يقال عن عون أيضاً أنه رجل مفاجآت بامتياز مع العلم ان بريقه المسيحي يكاد يتقلص لولا توظيفات الحزب السياسية والمالية في بعض مشاريع التيار الوطني. وثمة من يجزم بأن أي تأخير قد يطرأ على فكرة عدم حصول انتخابات نيابية في أسرع وقت لا بد وأن يضع علاقة عون مع حزب الله والحلفاء في خانة الجفاء ما يعزز تشاؤم المقربين من عون حيث اعتقاد هؤلاء ان دون عون ورئاسة الجمهورية مجموعة معوقات في مقدمها ان الرجل عندما يفقد صدقيته تكراراً يصبح بمعزل عن كل ما من شأنه الركون الى مستقبله الذي لم يتعد الى الآن غير الكلام والمشاريع في الهواء وما الى كل ما تقدم من خواء سياسي ووطني من الصعب الركون اليه؟!